نتائج دراسة بي دبليو سي حول أداء الذكاء الاصطناعي
بينما تمضي المملكة العربية السعودية في طريقها نحو مرحلة مفصلية في اعتمادها على الذكاء الاصطناعي، تواصل المؤسسات في المملكة تفوقها على نظيراتها حول العالم على مستوى متعدد الأبعاد فيما يتعلق بمستوى نضج الذكاء الاصطناعي. ولا يكمن التحدي القادم في حجم التوسع وحده، وإنما في القيمة المنتظرة من هذ التوسع؛ أي إن التحدي الحقيقي هو تحويل الزخم المصاحب لانتشار الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لتعظيم العائدات وتحقيق ميزة تنافسية دائمة
في ظل السباق العالمي المتسارع نحو توسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي، تستعد المملكة العربية السعودية لدخول مرحلة جديد من التحول النوعي. وبدعم من الطموحات الوطنية والاستثمارات الكبيرة، إلى جانب تسارع وتيرة تبني الشركات للتقنيات الحديثة، تمضي المملكة بخطوات واثقة للانتقال من مرحلة "الجاهزية للذكاء الاصطناعي" إلى مرحلة "التنفيذ المؤسسي" الفعلي على نطاق واسع.
وعلى امتداد عبر مختلف القطاعات، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أكثر عمقاً في العمليات التشغيلية، وتجارب العملاء، وإدارة المخاطر، والبنية التحتية الرقمية. ويعكس هذا الزخم المكانة المتقدمة التي حققتها المملكة في المؤشرات العالمية؛ حيث تحتل المملكة العربية السعودية المركز الخامس على مستوى العالم والأول في المنطقة من حيث نمو قطاع الذكاء الاصطناعي وفق مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي لعام 20251، كما تُصنف ضمن أفضل عشر دول في مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي للعام نفسه، في دلالة واضحة على قوة أدائها ومستوى جاهزيتها وقدرتها المتنامية في هذا المجال.2
وتُوكد نتائج الاستطلاع هذا التوجه، حيث تسجل المؤسسات في المملكة ارتفاعاً في المكاسب المرحلية التي تحققها من استخدام الذكاء الاصطناعي بمعدلات تفوق المتوسط العالمي، بما يشمل تعزيز المرونة المؤسسية، وتحسين تجربة العملاء، وزيادة مستويات الثقة، ورفع إنتاجية الموظفين، وتطوير النماذج التشغيلية. ومع ذلك، لم تعلن تلك المؤسسات بعد عن تحول هذه المكاسب إلى عوائد مالية مستقرة وملموسة بالقدر المتوقع. ولا يشير ذلك إلى تباطؤ في التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي بقدر ما يشير إلى أن العديد من المؤسسات لا تزال في مرحلة الانتقال من تبني الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة تحقيق قيمة مؤسسية شاملة ومستدامة من خلاله.
ويتضح هذا الأمر بصورة أكبر عند مقارنة المؤسسات العاملة في المملكة مع المؤسسات التي تصنفها أبحاث بي دبليو سي ضمن فئة "المؤسسات الرائدة في الذكاء الاصطناعي"3 - وهي المؤسسات العالمية الأعلى أداءً التي تندرج ضمن الشريحة العليا من حيث نتائج الأداء المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.
ولا تقتصر قوة هذه المؤسسات على تنفيذ أكبر عدد من المشاريع التجريبية في مجال الذكاء الاصطناعي، بل تتمثل في قدرتها على توسيع نطاق حالات الاستخدام ذات القيمة العالية، وتحقيق عوائد مالية ملموسة من النتائج، ودمج الذكاء الاصطناعي في عمليات اتخاذ قرارات الأعمال اليومية. كما تلعب الحوكمة الفعالة، والتحديد الدقيق للأولويات،
والانضباط في التنفيذ، دوراً محورياً في تمكين هذه المؤسسات من تحويل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي إلى نمو مستدام في الإيرادات، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتعزيز الميزة التنافسية.
وعلى الرغم من وجود مؤسسات في المملكة العربية السعودية ضمن فئة "المؤسسات الرائدة في الذكاء الاصطناعي"، تشير النتائج إلى وجود فرص واعدة أمام المؤسسات الأخرى لتعزيز مكانتها من خلال الاستفادة من القدرات والممارسات التي تميز هذه الفئة الرائدة.
ويستعرض الاستطلاع المجالات التي لا تزال المؤسسات في المملكة العربية السعودية تسجل فيها أداءً يقل بدرجة طفيفة عن أداء" المؤسسات الرائدة في الذكاء الاصطناعي" وفق مؤشر الجاهزية للذكاء الاصطناعي، وهو المعيار الذي تعتمده بي دبليو سي لقياس قدرة المؤسسات على تحقيق قيمة فعلية من تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويعتمد هذا المؤشر على تقييم كل من كيفية استخدام الشركات للذكاء الاصطناعي، ومدى توافر المقومات الأساسية التي تضمن موثوقية هذه التقنيات وقابليتها للتوسع، بما في ذلك الاستراتيجية والحوكمة. وتوفر هذه التصنيفات خارطة طريق واضحة للمؤسسات الراغبة في تسريع تقدمها؛ إذ تسلط الضوء على المجالات التي يمكن للمؤسسات من خلالها تعميق دمج الذكاء الاصطناعي في استخدامات الأعمال اليومية، وتحويل مبادراته إلى قيمة ملموسة.
هذا التقرير موجه إلى قادة المؤسسات في المملكة العربية السعودية الذين يواجهون اليوم سؤالاً استراتيجياً محورياً يتمثل في كيفية تحويل أنشطة الذكاء الاصطناعي إلى قيمة ملموسة يمكن قياسها على مستوى الأعمال؟
وتتناول الدراسة مجالين أساسيين يشكلان أولوية بالغة الأهمية:
مدى نجاح الشركات في المملكة في تحقيق عوائد فعلية وملموسة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي
أبرز الدروس والممارسات المستفادة التي يمكن استخلاصها من المؤسسات الرائدة في الذكاء الاصطناعي حول العالم، وهي المؤسسات الأعلى أداءً التي تندرج ضمن الشريحة العليا من قائمة أفضل المؤسسات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي
"من المشجع أن نرى التقدم الذي تحرزه المؤسسات في المملكة في المجاالت المحورية المرتبطة بنضج
الذكاء االصطناعي، خاصة فيما يتعلق بتعزيز مستوى وضوح الرؤية االستراتيجية، وترسيخ أسس
إدارة البيانات والتوسع في استخدامها. ويعكس ذلك مستوى متقدم من التكامل والتعاون بين القطاعين
العام والخاص، سواء عبر ضخ االستثمارات، أو تطوير األطر التنظيمية والتشريعية، أو تنمية
قويا مقارنة بالعديد من االقتصادات األكبر ، الكفاءات والقدرات الوطنية. كما تُظهر المملكة أداء
حجما
مدفوعة بوتيرة متسارعة في تبني التقنيات الحديثة، وتطوير المهارات، وتحفيز االستثمارات الخاصة،
وهو ما يشير إلى وجود آفاق واعدة على المدى الطويل مع استمرار توسع دور الذكاء االصطناعي في
دعم االقتصاد المتنوع."
% من المشاركين في الاستطلاع في المملكة العربية السعودية يفيدون بأن رؤيتهم للذكاء الاصطناعي تتماشى مع أهدافهم التجارية، مقارنة بنسبة % عالمياً.
% رجحوا أن يكون قادة مؤسساتهم مسؤولين بشكل مباشر عن نتائج الذكاء الاصطناعي، مقارنة بنسبة % عالمياً.
% من المؤسسات لديها أطر عمل موثقة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، مقارنة بنسبة % عالمياً.
% من المؤسسات كشفت عن تحسينات كبيرة أو كبيرة جداً في إنتاجية الموظفين بفضل الذكاء الاصطناعي، مقارنة بنسبة % عالمياً.
% من المشاركين في المملكة أشاروا إلى امتلاك مؤسساتهم قدرة قوية على استقطاب المتخصصين التقنيين في مجال الذكاء الاصطناعي، مقارنة بنسبة % عالمياً.
يستعرض الاستطلاع بُعدين رئيسيين هما: "أساسيات الذكاء الاصطناعي" و"استخدامات الذكاء الاصطناعي"، ويشكلان معاً مؤشر الجاهزية للذكاء الاصطناعي العام؛ وهو المعيار الذي تعتمده بي دبليو سي لقياس قدرة المؤسسة على تحقيق القيمة من تقنيات الذكاء الاصطناعي. يستعرض الاستطلاع بُعدين رئيسيين هما: "أساسيات الذكاء الاصطناعي" و"استخدامات الذكاء الاصطناعي"، ويشكلان معاً مؤشر الجاهزية للذكاء الاصطناعي العام؛ وهو المعيار الذي تعتمده بي دبليو سي لقياس قدرة المؤسسة على تحقيق القيمة من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
*وفقاً لأبحاث بي دبليو سي، تُعرف "المؤسسات الرائدة في الذكاء الاصطناعي" بأنها المؤسسات التي تقع ضمن أعلى 20% من حيث الأداء المالي المدفوع بالذكاء الاصطناعي. ويُقاس هذا الأداء من خلال مؤشرين معدلين حسب القطاع، وهما: حصة الإيرادات الناتجة عن مبادرات الذكاء الاصطناعي أو المبادرات المرتبطة به، وحصة مكاسب كفاءة التكاليف التي تُعزى إلى هذه المبادرات. وبناءً على هذا التعريف، شملت فئة "المؤسسات الرائدة في الذكاء الاصطناعي" 235 مؤسسة من أصل 1,217 مؤسسةً شاركت في الاستطلاع على مستوى العالم، بما في ذلك مؤسسات من المملكة العربية السعودية.
تشير أبحاث بي دبليو سي إلى أن الجاهزية لعصر الذكاء الاصطناعي ترتكز على عنصرين متكاملين، وهما: بناء المقومات الأساسية التي تتيح التوسع في نشر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، واستخدام هذه التقنيات بطريقة تحقق قيمة وعوائد ملموسة للأعمال. وعلى مستوى هذين العنصرين، تسجل المؤسسات في المملكة العربية السعودية أداءً يتجاوز المتوسط العالمي. وتُظهر النتائج أن السوق السوق السعودي نجح في ترسيخ معظم الركائز العملية اللازمة لنشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، الأمر الذي أسهم في تنويع استخدامات الذكاء الاصطناعي وتعزيز دوره الاستراتيجي. ولم تقتصر أثر ذلك على زيادة حجم الاستخدام، بل انعكس أيضاً في ظهور نمط أكثر نضجاً وتأثيراً في تبني التقنية، بدأ تأثيره يظهر واضحاً على طريقة عمل المؤسسات وأسلوبها في المنافسة وتحقيقها للنمو.
ولا شك أن الوضوح الاستراتيجي يُعد أحد أبرز مؤشرات جاهزية المؤسسات في المملكة في مجال الذكاء الاصطناعي، فبدلاً من التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مبادرة تقنية مستقلة، تتجه المؤسسات بشكل متزايد إلى اعتباره محركاً رئيسياً لتحول الأعمال وخلق القيمة. وينعكس هذا التوجه في تفوق المؤسسات السعودية على المتوسطات العالمية في عدد من مؤشرات التوافق الاستراتيجي (انظر الشكل 2)، والتي تشمل توافق رؤية الذكاء الاصطناعي مع الأهداف التجارية للمؤسسة (78% مقابل 65%)، ووجود قيادات تتحمل مسؤولية مباشرة عن نتائج مبادرات الذكاء الاصطناعي (67% مقابل 54%)، والتتبع المنهجي لأثر الذكاء الاصطناعي على أداء الأعمال (53% مقابل 46%)، إضافة إلى امتلاك خارطة طريق واضحة لمبادرات تطوير وتوسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي على المديين القصير والطويل (64% مقابل 62%).
ويتعزز هذا الوضوح الاستراتيجي على مستوى المملكة من خلال الدمج المستمر لتقنية الذكاء الاصطناعي في خطط النمو والتحول في النماذج التشغيلية، والتخطيط على المدى الطويل بدلاً من التعامل مع هذه التقنية على أنها إحدى القدرات التقنية المستقلة. فعلى سبيل المثال، أطلق صندوق الاستثمارات العامة السعودي منصة هيوماين لدعم مختلف حلقات سلسلة القيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي5. كما تتبنى كبرى المؤسسات في المملكة النهج ذاته، حيث تواصل شركة الاتصالات السعودية stc دمج الذكاء الاصطناعي في استراتيجيتها الخاصة بالابتكار والتوسع الرقمي6، بينما تستثمر أرامكو في الذكاء الاصطناعي لدعم التحول الصناعي وتسريع وتيرته7.
ولا شك أن ما يميز المؤسسات العاملة في المملكة العربية السعودية هو أن هذا الوضوح في الرؤية قد بدأ يؤثر في طريقة استخدامها للموارد، حيث أصبحت الاستراتيجية أداة عملية لتحديد أولويات الاستثمار، وتوجيه رؤوس الأموال نحو المجالات الأعلى قيمة، وتوسيع الإنفاق في المبادرات الواعدة، وإعادة توزيع الموارد بما يتماشى مع الأهداف المؤسسية طويلة الأجل.
تكشف نتائج الاستطلاع أن نهج المملكة في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يتسم بدرجة عالية من التركيز والانضباط مقارنة بالعديد من الدول النظيرة حول العالم. ولا تكمن قوة هذا النهج فيما يتصوره البعض عن حجم الإنفاق وحده، لاسيما وأن الميزانية التي ترصدها المملكة للذكاء الاصطناعي متقاربة في المجمل مع المتوسط العالمي، وإنما تكمن الميزة الأبرز في طريقة توزيع الاستثمارات وإدارتها وتطويرها بصورة مستمرة لتحقيق أقصى قيمة ممكنة.
ولا تزال المؤسسات العاملة في المملكة بشكل عام متفقة مع نظيراتها حول العالم في الإبلاغ عن كفاية المستوى الحالي من استثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي لتحقيق أهدافها المنشودة في هذ المجال (انظر الشكل 3). ولكن المشاركين في الاستطلاع أبدوا قدراً أكبر من المرونة في إعادة توجيه الموارد المالية والبشرية نحو الفرص عالية القيمة في مجال الذكاء الاصطناعي (بنسبة 60% في المملكة مقارنة بنسبة 55% عالمياً)، مع التزامهم بتخصيص حصة أكبر من إيراداتهم للاستثمار في الذكاء الاصطناعي مقارنة بنظرائهم على مستوى العالم (8% في المملكة مقابل 6% عالمياً). ولا يقتصر هذا الاستثمار على التقنية وحدها، بل يمتد ليشمل منظومة متكاملة من القدرات التي تدعم جميع مراحل سلسلة القيمة، لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة فعالة من الناحية العملية، وتشمل هذه القدرات فرق العمل الداخلية والأدوات والمنصات وأطر الحوكمة وخدمات البيانات.
مقارنة بالمتوسط العالمي، تحقق المؤسسات في المملكة تفوقاً ملحوظاً في عدد من القدرات الأساسية التي تدعم دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية، ويعود ذلك إلى ما تتميز به من قوة كبيرة مقارنة بنظيراتها عالمياً في إدارة منصات سحابية قابلة للتطوير (انظر الشكل 4) مع توافر البيانات في الوقت الفعلي (76% في المملكة مقابل 59% عالمياً). ويسهم ذلك في تمكين الموظفين من الوصول إلى بيانات عالية الجودة والاستفادة منها بفعالية أكبر (53% في المملكة مقابل 38% عالمياً)، كما يدعم إعادة تصميم مسارات العمل بما يحقق تكاملاً أفضل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي (51% في المملكة مقابل 32% عالمياً).
ولعل أحد العوامل التي أسهمت في تعزيز هذه القدرات هو الزخم الواضح الذي شهدته المملكة في تطوير بنيتها التحتية خلال السنوات الأخيرة. فقد عززت جوجل كلاود حضورها في المملكة من خلال منطقة الدمام السحابية،8 فيما أكدت شركة مايكروسوفت إنشاء مركز بياناتها الإقليمي في المملكة، كما وسعت خدمات أمازون ويب AWS قدراتها السحابية المحلية من خلال مجموعة من المراكز في المملكة 9.
ينطبق النمط نفسه على البيانات، حيث تمتلك المؤسسات العاملة في المملكة ميزة فريدة لا تقتصر على جودة البيانات المهيكلة التقليدية، بل تمتد إلى قدرتها على الاستفادة من نطاق أوسع وأكثر تنوعاً من مصادر البيانات.
وتستفيد هذه المؤسسات من بيئة بيانات أكثر ثراءً وملاءمة للتجريب مقارنة بالمتوسط العالمي، حيث تتفوق في استخدام البيانات غير المهيكلة (44% في المملكة مقابل 37% عالمياً)، والبيانات الخاصة بالمؤسسة (60% في المملكة مقابل 45% عالمياً) والبيانات المتاحة للجمهور (56% في المملكة مقابل 37% عالمياً)، ويبرز هذا التفوق بشكل أوضح في استخدام البيانات الاصطناعية (53% في المملكة مقابل 22% عالمياً)، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستويات تتماشى مع المعدلات العالمية في استخدام البيانات المهيكلة (انظر الشكل 5).
وعلى مستوى البنية التحتية، تشهد المملكة تقدماً ملموساً يعزز من سهولة الوصول إلى البيانات ومشاركتها من خلال منصة سوق البيانات وبنك البيانات الوطني10 التابعين للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، في حين أن المنصات المنشأة على مستوى المدن بهدف دعم التخطيط العمراني، مثل بوابة البيانات المفتوحة للهيئة الملكية للرياض11، تُظهر زيادة الاتجاه إلى استعمال البيانات المتاحة للجمهور في بيئات سهلة الاستخدام تتيح قراءتها آلياً في إطار قواعد رسمية للبيانات.
تظهر النتائج أن المؤسسات العاملة في المملكة تمتلك ميزة واضحة تتمثل في اتساع قاعدة الكفاءات البشرية مقارنة بنظيراتها على مستوى العالم، لاسيما في المجالات التي تدعم استخدام الذكاء الاصطناعي وتعزيز التعاون المشترك. وقد حققت هذه المؤسسات تفوقاً لافتاً على نظيراتها حول العالم في جذب المتخصصين في الجوانب الفنية للذكاء الاصطناعي (67% في المملكة مقابل 42% عالمياً) (انظر الشكل 6)، وتشجيع التجريب من خلال تقديم مجموعة من الحوافز (56% في المملكة مقابل 37% عالمياً)، وتعزيز التكامل والتعاون بين فرق العمل المسؤولة عن البيانات وتقنية المعلومات والأعمال التجارية في مختلف الإدارات (56% في المملكة مقابل 42% عالمياً)، وبناء الثقة في مخرجات الذكاء الاصطناعي (47% في المملكة مقابل 36% عالمياً). وتحافظ المؤسسات العاملة في المملكة أيضاً على ميزة إضافية تتمثل في التزام القيادة المؤسسية بتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي (60% في المملكة مقابل 54% عالمياً) إلى جانب تطوير برامج التعلم المصممة حسب طبيعة المهام الموكلة للموظفين (49% في المملكة مقابل 41% عالمياً).
ويعزز هذا الزخم النمو المتسارع في تأهيل قاعدة الكوادر الوطنية، حيث تسهم أكاديمية الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)12 في تطوير مهارات البيانات وقدرات الذكاء الاصطناعي من خلال برامج تدريبية منظمة ومعسكرات متخصصة، بينما تواصل مؤسسة مسك دعم هذا التوجه من خلال ترجمة ذلك إلى مهارات فنية عملية من خلال برامجها المختلفة، ومنها برنامج الذكاء الاصطناعي مع سامسونج للابتكار الذي يركز على الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة ومعالجة البيانات13.
وفيما يتعلق بالأثر التشغيلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة ما يتصل بزيادة إنتاجية الموظفين وكفاءة استخدام الموارد، جاءت نتائج المملكة أعلى بفارق واضح عن المتوسط العالمي، حيث أفاد 60% من المشاركين السعوديين بتحسن كبير أو كبير للغاية في إنتاجية الموظفين نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي، مقابل 46% عالمياً. وهذا يشير إلى الأثر الكبير للذكاء الاصطناعي على طريقة أداء مهام العمل، حيث يزيد من سرعة إنجاز الموظفين لمهامهم ويساعدهم على استغلال وقتهم بفاعلية أكبر ويرتقي بمستوى أدائهم اليومي.
وتنعكس هذه النتائج على طبيعة استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات في المملكة. فمقارنة بالمؤسسات العالمية النظيرة، يقل استخدام المؤسسات في المملكة للذكاء الاصطناعي لأغراض التحرير (7% في المملكة مقابل 15% عالمياً) وكذلك في تنفيذ المهام الروتينية بإشراف وموافقة بشرية (11% في المملكة مقابل 20% عالمياً) (انظر الشكل 7). وفي المقابل، تميل تلك المؤسسات بشكل أوضح إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في التحليل والتنبؤ وتقديم التوصيات (47% في المملكة مقابل 36% عالمياً) بالإضافة إلى تنسيق المهام المتعددة عبر مسارات العمل المنظمة (29% في المملكة مقابل 20% عالمياً). وفي الوقت نفسه، لا يزال استخدام الأنظمة المستقلة بالكامل والقادرة على التعلم والتحسين الذاتي محدوداً وبمستويات متقاربة بشكل عام مع المستويات العالمية (7% في المملكة مقابل 9% عالمياً)، ما يرجح أن المؤسسات في المملكة تقدم الاستخدام المنضبط عالي التأثير على الاستقلالية والتطوير التلقائي.
تُعد الحوكمة وإدارة المخاطر من بين أبرز عناصر القوة المرتبطة بنضج استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات داخل المملكة. ويظهر ذلك في تفوقها على نظيراتها حول العالم في عدد من المجالات، من أبرزها قوة وسائل الحماية الأمنية (78% في المملكة مقابل 60% عالمياً) وتوثيق أطر الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي (62% في المملكة مقابل 47% عالمياً)، وآليات التحكم في الوصول إلى البيانات واستخدام الذكاء الاصطناعي بحسب الصلاحيات الوظيفية (64% في المملكة مقابل 54% عالمياً)، وإجراءات الامتثال والمشاركة التنظيمية الرسمية (69% في المملكة مقابل 60% عالمياً) إلى جانب ميزة أكثر اعتدالاً تتمثل في وجود مجالس حوكمة مشكلة من إدارات مختلفة (51% في المملكة مقابل 44% عالمياً).
ولا شك أن قوة أطر الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي (انظر الشكل 8) لها أهمية خاصة. فوضوح هذه الأطر وتوثيقها يسهم في تحويل توجهات المؤسسة إلى معايير متسقة وآليات واضحة لاتخاذ القرار على امتداد مختلف مراحل دورة الذكاء الاصطناعي، بدءاً من اختيار حالات الاستخدام، وصولاً إلى نشر استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي وإدارتها ضمن بيئة رقابية مستمرة. وتميل المؤسسات حالياً إلى تفعيل هذا النهج عبر منظومة حوكمة أوسع. إذ يعمل إطار تبني الذكاء الاصطناعي والمبادئ الأخلاقية المرتبطة به لدى سدايا على ترسيخ مفهوم أن "الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي" يمثل منظومة متكاملة عابرة للقطاعات. وبالتوازي مع ذلك، تسهم مجموعة من المنصات في تعزيز هذا التوجه، حيث صُمت منصات مثل 14SITE Cloud لتدعم مفاهيم الذكاء الاصطناعي السيادي مع التركيز على الأمن السيبراني ومتطلبات الامتثال التنظيمي، كما يعكس تكامل منصة DEEM Cloud مع تقنيات مثل watsonx.ai من آي بي إم ونموذج علاّم من سدايا15 خطوة متقدمة نحو تمكين استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة وموثوقة للجهات الحكومية.
عندما يتعلق الأمر بالابتكار، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالمؤسسات العاملة في المملكة تتقدم بفارق واضح عن المتوسط العالمي في دمج مسؤولية ابتكارات الذكاء الاصطناعي داخل وحدات الأعمال (69% في المملكة مقابل 46% عالمياً)، وهو ما يعكس الارتباط المباشر للذكاء الاصطناعي بالأولويات التشغيلية ومتطلبات الأعمال (انظر الشكل 9).
وفي الوقت نفسه، تبرز فرصة واعدة لتعزيز عملية التجريب مع استمرار التوسع في تبني الذكاء الاصطناعي. وقد جاءت نتائج المشاركين من المملكة متقاربة مع المتوسط العالمي فيما يتعلق بتوفير بنية تحتية مخصصة لدعم تجارب الذكاء الاصطناعي (38% في المملكة مقابل 39% عالمياً). كما تركزت أبرز إعلانات الذكاء الاصطناعي في المملكة حول بناء القدرات والبنية التحتية: مصانع الذكاء الاصطناعي والمراكز السحابية والمنصات الرقمية ومنظومات تمكين الذكاء الاصطناعي على صعيد المؤسسات، أكثر من تركيزها على تطوير المنتجات بشكل متكرر، أو التوسع السريع في المشاريع التجريبية، أو تغيير خطط الاستثمار باستمرار. ويشير ذلك إلى وجود مساحة أكبر أمام المسؤولين لاختبار الأفكار ومحاكاتها وتطويرها على نطاق واسع وبالسرعة اللازمة.
وتشير النتائج أيضاً إلى أن المؤسسات في المملكة تميل إلى اتباع منهج مرحلي في إدارة الابتكار. ومن المرجح أن تتم مراجعة مبادرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أقل من المتوسط العالمي، وهو ما قد يحد من قدرتها على تحديد أولويات حالات الاستخدام الناجحة وتوسيع نطاقها واستبعاد المبادرات الأقل فعّالية.
ويسهم هذا النمط في تفسير سبب إبلاغ المؤسسات في المملكة العربية السعودية استغراقها وقتاً أطول لتحويل النماذج التجريبية إلى تطبيقات تحقق مردوداً مادياً مقارنة ببقية دول العالم (7 أشهر في المملكة مقابل 6 أشهر عالمياً). إلا أن هذا لا يعكس بالضرورة ضعفاً في النشاط التجريبي. ففي واقع الأمر، أشارت نسبة أعلى من المشاركين في المملكة إلى مشاركتهم في نماذج تجريبية للذكاء الاصطناعي حققت مردوداً مادياً (71% في المملكة مقابل 66% عالمياً)، بينما ذكرت نسبة أقل أنهم لم يشاركوا مطلقاً في نماذج تجريبية تحولت إلى نماذج مدرة للعائد (9% في المملكة مقابل 15% عالمياً). ولكن الواضح أن المؤسسات في المملكة تبدو أكثر تقدماً في الجاهزية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ولكنها أقل نضجاً من حيث سرعة الانتقال من التجريب إلى التوسع في الاستخدام.
ويتسق ذلك مع النتائج التي ترجح أن تركيز المؤسسات في المملكة على الابتكارات الموجهة للعملاء والمنتجات لا يزال أقل من نظيراتها على مستوى العالم (انظر الشكل 10)، بما يشمل تطوير منتجات وخدمات جديدة (38% في المملكة مقابل 48% عالمياً)، وتحديث المنتجات والخدمات الحالية (36% مقابل 51% عالمياً)، وابتكار تجارب عملاء جديدة (47% مقابل 60% عالمياً).
ولكن الملاحظ أنه على الرغم من ضعف سرعة الابتكار لدى المؤسسات في المملكة عن نظيراتها حول العالم، تحقق هذه المؤسسات قيمة واضحة في المجالات التي يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي بفعالية، حيث يشير الاستطلاع إلى أن مستوى تحسن تجربة العملاء أو رضاهم أو ثقتهم لدى المشاركين كان أعلى من المتوسط العالمي (67% في المملكة مقابل 39% عالمياً) وكذلك الأمر فيما يتعلق بتقديم منتجات وخدمات جديدة أو مطورة (49% في المملكة مقابل 33%) عند الاستفادة الكاملة من قدرات محفظة الذكاء الاصطناعي لديهم.
وتتفوق المؤسسات في المملكة أيضاً على نظيراتها العالمية في الابتكارات الموجهة أكثر للتحول، ومن بينها ابتكارات نماذج الأعمال أو مصادر الإيرادات (44% في المملكة مقابل 36% عالمياً)، وإعادة تصميم النماذج التشغيلية والعمليات (64% في المملكة مقابل 57%)، إضافة إلى تحقيق تفوق طفيف في التعاون داخل منظومة الأعمال أو عبر القطاعات المختلفة (27% في المملكة مقابل 25% عالمياً). ولذلك، يُستخدم الذكاء الاصطناعي في المملكة بشكل أساسي كأداة لتحسين العمليات وتطوير البنية التحتية وتعزيز كفاءة الأنظمة، بدءاً من ضمان كفاءة الشبكات في شركة 16stc مروراً بجهود التحول الصناعي والرقمي في أرامكو ديجيتال17، وصولاً إلى منصات المدن الذكية مثل مركز عمليات الرياض الذكية18.
وتُظهر هذه النتائج أيضاً أن المؤسسات في المملكة العربية السعودية نجحت في استيفاء عدد كبير من المتطلبات الأساسية اللازمة للتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تعزيز مستوى وضوح الاستراتيجية وترسيخ أسس منظومة الحوكمة والتوسع في استخدام البيانات، إلى جانب الزخم المتزايد للأيدي العاملة وتحسن الجاهزية التشغيلية. غير أن التحدي القادم يتمثل في كيفية استثمار هذه الأسس بفعالية، إذ إن مجرد الاستعداد لاستخدام الذكاء الاصطناعي يختلف عن استخدامه بطرق تعيد رسم ملامح مفاهيم النمو والتنافسية ونماذج الأعمال.
"تتمثل إحدى أبرز نقاط قوة المملكة الحقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي في تحقيق مستوى متقدم من التوافق بين الطموح الوطني واستراتيجية المؤسسات. فلم يعد يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مبادرة تقنية منفصلة، بل أصبح جزءاً أصيلاً من طريقة تفكير المؤسسات في مفاهيم النمو والتحول وتعزيز التنافسية. وقد أسهم هذا التوافق في خلق زخم حقيقي، إلا إن استدامته ستعتمد على مدى الانضباط في التنفيذ والقدرة على توسيع نطاق المبادرات الناجحة."
يتمثل البُعد الثاني من جاهزية الذكاء الاصطناعي في كيفية استخدام التقنية نفسها لتحقيق القيمة، وهنا نجد أن نمط الاستخدام في المملكة يميل ميلاً واضحاً نحو الاستخدامات ذات الطابع الاستراتيجي. فلا ينحصر استخدام المؤسسات في المملكة للذكاء الاصطناعي في رفع الكفاءة، بل يمتد ليشمل دعم نمو الإيرادات وتحسين الاستجابة للعملاء وتعزيز المرونة المؤسسية ورفع جودة اتخاذ القرار وتوسيع نطاق التعاون بين القطاعات.
وفي حين يظل تحسين الكفاءة التشغيلية هو المدخل الأساسي لاستخدام الذكاء الاصطناعي، حسب ما ذكره 33% من المشاركين، إلا إن تطبيقاته في المملكة تتجاوز هذا الإطار لتشمل مجالات أبعد بكثير من تحسين التكلفة، لتشمل مجالات تدعم النمو، وتعزز التنافسية، وترفع مرونة المؤسسات (نظر الشكل 11).
وعند المقارنة مع نظيراتها العالمية، نجد أن المؤسسات في المملكة تميل بدرجة أكبر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في تنمية الإيرادات والحصة السوقية (18% في المملكة مقابل 12% عالمياً)، وتحسين تجربة العملاء وتعزيز ثقتهم (13% في المملكة مقابل 8% عالمياً)، ودعم التحول في نماذج الأعمال (13% في المملكة مقابل 9% عالمياً)، وتعزيز إدارة المخاطر والامتثال (9% في المملكة مقابل 5% عالمياً). وتشير هذه البيانات إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يُستخدم كأداة لزيادة الإنتاجية فحسب، بل أصبح عنصراً مؤثراً في تشكيل مسارات نمو المؤسسات وطريقتها في المنافسة والتجاوب مع التغيرات المستمرة في أوضاع السوق، بما يمهد لقدر أكبر من التقارب بين القطاعات.
بدأت المؤسسات في المملكة تعكس ما يصفه بحث بي دبليو سي، الصادر بعنوان "القيمة المتغيرة: حان الوقت ليتولى الشرق الأوسط القيادة"، بالتحول الاقتصادي الأوسع. فقوى التحول، مثل الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي، تسهم في إعادة صياغة أسلوب حياتنا وممارستنا للعمل، ما يساهم في ظهور احتياجات وتفضيلات جديدة لدى العملاء، وفتح أسواق جديدة، والسماح بظهور نماذج عمل جديدة، وجذب منافسين جدد، وإزالة الحدود الفاصلة بين القطاعات والصناعات.
وفي الوقت الحالي، تسارع المؤسسات العاملة في المملكة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتمكينها من تحقيق هذا التقارب بين القطاعات وتجاوز الحدود التقليدية الفاصلة بينها، بما يعزز التنافسية ويوسع آفاق التعاون ويخلق مصادر جديدة للقيمة (انظر الشكل 12). وتظهر نتائج الاستطلاع أن نتائج المؤسسات العاملة في المملكة تتماشى إلى حد كبير مع نتائج نظيراتها العالمية في استخدام الذكاء الاصطناعي ' بدرجة متوسطة أو كبيرة ' في التنافس في قطاعات خارج نطاق أعمالها الأساسية (51% في المملكة مقابل 52% عالمياً). كما تميل المؤسسات في المملكة بشكل أكبر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مشابهة في التعاون أو التنسيق مع أطراف خارج القطاع الذي تعمل فيه (62% في المملكة مقابل 51% عالمياً).
ويشير هذا التوجه نحو التقارب بين القطاعات إلى أن النموذج الذي تطبقه هذه المؤسسات في اعتماد الذكاء الاصطناعي يعتني أكثر بالمنظومة ككل وبما يتسق بدرجة كبيرة مع مفهوم "مجالات النمو"19، التي تُخلق فيها القيمة عبر التكامل والتنسيق بين القطاعات، وليس بين العاملين في القطاع الواحد.
ويقدر خبراء الاقتصاد في بي دبليو سي أن الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط قد يصل إلى 4,57 تريليون دولار أمريكي خلال العقد القادم بحلول 2035، وستشهد هذه الفترة تعديل أوضاع القطاعات التقليدية لتنسجم مع "مجالات النمو" المشار إليها. وينعكس ذلك أيضاً على مستوى المؤسسات، حيث يتطلع الرؤساء التنفيذيون في المملكة بشكل متزايد إلى تجاوز الحدود الفاصلة للقطاعات التقليدية سعياً لخلق القيمة، بما يتماشى مع برنامج تنويع الموارد الاقتصادية بالمملكة. ويشير استطلاع للرؤساء التنفيذيين أجريناه في وقت سابق من هذا العام إلى أن 63% منهم أشاروا إلى دخولهم قطاعات جديدة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهو ما يُعد ارتفاعاً ملحوظاً من نسبة 47% المسجلة في العام السابق. في حين يتوقع 84% من الرؤساء التنفيذيين في المملكة أن تأتي الصفقات ذات القيمة خلال السنوات الثلاث المقبلة من قطاعات خارج القطاع الأساسي الذي تعمل فيه مؤسساتهم20.
ووفقاً لنتائج دراسة أداء الذكاء الاصطناعي، أشار أكثر من نصف المشاركين في المملكة العربية السعودية إلى استخدامهم الذكاء الاصطناعي في تحديد مجالات القيمة الناشئة، وهي نسبة تفوق نسبة نظرائهم العالميين التي تبلغ 38%.
والسؤال هنا ما المؤشرات الأولية التي تدل على قدرة الذكاء الاصطناعي على تمكين إعادة الابتكار على مستوى أعمق؟ تُشير النتائج إلى أن التحول الأكثر وضوحاً يظهر على مستوى النموذج التشغيلي، حيث يشير أكثر من نصف المشاركين (53%) إلى تحقيق تحسينات كبيرة أو كبيرة للغاية في طريقة أداء مؤسساتهم لأعمالها بفضل الذكاء الاصطناعي، مقابل 35% على مستوى العالم، ما يعكس وجود مجموعة من التغييرات الملموسة في آليات تنفيذ العمل وتنظيم الإجراءات واتخاذ القرارات اليومية.
كما يظهر هذا التطور أيضاً على مستوى نموذج الأعمال، حيث أشار 42% من المشاركين إلى تحسينات كبيرة في نموذج الأعمال بفضل استخدام الذكاء الاصطناعي، مقارنة بنسبة 30% على مستوى العالم. ومع ذلك، لا يزال التأثير أكثر وضوحاً على مستوى العمليات التشغيلية مقارنةً بآليات خلق المؤسسات للقيمة نفسها وتحقيقها. ويتسق ذلك مع أنماط النضج المؤسسي، إذ يظهر تحول نماذج التشغيل في مراحل مبكرة، بينما يستغرق تحول نماذج الأعمال وقتاً أطول للتوسع، وإثبات جدواه، وتحويله إلى نتائج تجارية مستدامة.
وتتفوق المؤسسات في المملكة العربية السعودية أيضاً على نظيراتها العالمية في استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة ضبط سلاسل القيمة وقدرات الأعمال (38% في المملكة مقابل 32% عالمياً)، ما يدل على تحول أوسع للانتقال من حالات الاستخدام المحدودة إلى التحول الشامل على مستوى المؤسسة (انظر الشكل 13).
وفيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة منفتحة وموجهة نحو النمو، نجد أن المؤسسات في المملكة تسجل أداءً أعلى من المتوسط العالمي في سرعة الاستجابة للتغيرات المستمرة في احتياجات العملاء (64% في المملكة مقابل 46% عالمياً). وعلى مستوى النتائج الفعلية، تشير نسبة ملحوظة من المشاركين تبلغ 67% إلى الدور الكبير الذي لعبه استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين تجربة العملاء أو رفع مستوى رضاهم وثقتهم بمؤسساتهم، مقارنة بنسبة 39% عالمياً. وهذا يرجح تفوق المؤسسات في المملكة في تحويل استخدامات الذكاء الاصطناعي إلى نتائج ملموسة في التعامل مع العملاء، من خلال تقديم تجربة أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم الشخصية وتسريع الاستجابة لطلباتهم ورفع جودة الخدمة المقدمة وتعزيز مستويات الثقة.
وبالتوازي مع ذلك، أشار المشاركون إلى استخدامهم الذكاء الاصطناعي بشكل مكثف في مجالات إدارة المرونة والمخاطر، بدءاً بوضع نماذج المخاطر المناخية (40% في المملكة مقابل 25% عالمياً) مروراً بإدارة اضطرابات سلاسل الإمداد (53% في المملكة مقابل 28% عالمياً)، وصولاً إلى مهام السيطرة والرقابة الأساسية مثل الأمن السيبراني (62% في المملكة مقابل 47% عالمياً) وإدارة المخاطر المالية (47% في المملكة مقابل 32% عالمياً). وتوضح هذه المؤشرات مجتمعة أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أصيلاً من مجالات ذات أهمية استراتيجية وأصبح له دور مؤثر في تحديد المجالات التي تنافس فيها المؤسسات والطريقة التي تعمل بها.
"أصبح الذكاء الاصطناعي محفزاً رئيسياً للتحول الشامل في اقتصاد المملكة، حيث يساعد المؤسسات على تجاوز حدود التحسينات التدريجية والتوجه نحو آفاق أوسع لخلق القيمة وإقامة شراكات جديدة واعتماد نماذج تشغيل أكثر تقدماً. وتبرز أهمية ذلك الدور في ظل ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من فرص هائلة على المدى الطويل، لاسيما عند التوسع المسؤول في نطاق استخدامه وربطه بشكل وثيق بالإنتاجية والثقة وتحول الأعمال. "
تشير نتائج الاستطلاع إلى أن أبرز مجالات التفوق لدى مؤسسات المملكة تتمثل في تعزيز المرونة المؤسسية وتحسين تجربة العملاء ورفع إنتاجية الموظفين وتطوير النماذج التشغيلية، إلى جانب خفض المخاطر وتحسين جودة عملية اتخاذ القرار وتقليل استهلاك الطاقة أو هدرها، إضافة إلى ابتكار منتجات وخدمات جديدة أو تطوير القائم منها.
وهذا يرجح أن المؤسسات لا تقتصر في استخدام الذكاء الاصطناعي على مجرد التجريب، بل تمتد تطبيقاته لتحقيق آثار ملموسة في جميع إدارات المؤسسة. وقد أشار المشاركون في الاستطلاع أيضاً إلى تحسينات أخرى تشمل تسريع طرح المنتجات والخدمات في الأسواق وتطوير عملية اتخاذ القرارات وتعزيز مستويات الأتمتة وتحسين الامتثال وإدارة المخاطر، وهو ما يؤكد أهمية دور الذكاء الاصطناعي في إعادة رسم معالم النماذج التشغيلية ونماذج الأعمال.
ومع ذلك تبرز عقبتان جوهريتان قد تفسران سبب عدم ترجمة هذه المكاسب بالكامل إلى عوائد مالية:
1- الكثير من أهم الفوائد التي أعلنتها المؤسسات في المملكة لاتزال نتائج مرحلية، وتتمثل في: سرعة اتخاذ القرار، وتحسين تجربة العملاء، وزيادة المرونة والإنتاجية، وتطوير النماذج التشغيلية. ورغم أهمية هذه النتائج في تحقيق القيمة في المستقبل، إلا إنها لا تتحول تلقائياً أو على الفور إلى إيرادات أو تحسين في هوامش الربح أو عوائد استثمار ملموسة.
2- لا يزال منهج الاستفادة المادية من التقنية متأخراً عن وتيرة انتشار الذكاء الاصطناعي، وهذا يعني أن المؤسسات تخلق القيمة من الذكاء الاصطناعي قبل أن تتمكن بصورة كاملة من قياس هذه القيمة وتحديد أثرها والاستفادة منها مالياً.
لا ترتبط هذه المسألة بقلة الاستثمار، إذ تخصص المؤسسات في المملكة حصة من ميزانياتها على مستوى الإدارات تقارب ما تخصصه نظيراتها على مستوى العالم (11% في المملكة مقابل 12% عالمياً). ومع ذلك، تشير المؤسسات إلى انخفاض العائد التقريبي على الاستثمار على مستوى هذه الحصة من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي مقارنة بالمتوسط العالمي (30% في المملكة مقابل 37% عالمياً)، أي أن هناك فرصة سانحة هنا لتعزيز خلق القيمة من هذه الاستثمارات. ويبدو أن عدداً كبيراً من المؤسسات في المملكة يحقق بالفعل فوائد ملموسة من خلال زيادة تبني الذكاء الاصطناعي وتحسين ترتيب الأولويات ورفع كفاءة دمجه في العمليات. إلا أن هذه المكاسب لا تُترجم إلى عوائد مالية بشكل متسق. ومن هنا، تتمثل الخطوة التالية في تحويل هذا التقدم التشغيلي إلى قيمة اقتصادية ملموسة من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة تصميم الإجراءات وتطوير طرق تنفيذ الأعمال وفتح قنوات جديدة لتحقيق الإيرادات.
"لم تعد قيمة الذكاء الاصطناعي اليوم مسألة نظرية بالنسبة للمؤسسات في المملكة العربية. بل يرى عدد كبير من المؤسسات فوائد ملموسة في طريقة عملها وتقديمها الخدمات للعملاء وسرعة استجابتها للتغيير، ومن الطبيعي أن تظهر المكاسب التشغيلية قبل انعكاسها بشكل كامل على المكاسب المالية. فالفرص الحقيقية لا تكمن حالياً في مجرد تعزيز التحسينات المحدودة، وإنما في استخدام الذكاء الاصطناعي في توسيع نطاق تحول الأعمال وإعادة التفكير في الطريقة التي تنتهجها المؤسسات في خلق القيمة وتحقيق النتائج. "
درسنا في هذا الاستطلاع رواد الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، والذين يميلون إلى استخدام التقنية في تسريع زمن وصول منتجاتهم وخدماتهم الجديدة إلى السوق، وإعادة تشكيل نماذج أعمالهم ونماذجهم التشغيلية، ورفع مستوى الجودة والأتمتة في عملية اتخاذ القرار، وتحسين تجربة العملاء وتعزيز ثقتهم. وتُعد هذه المسارات مجتمعة هي القنوات التي يتضاعف من خلالها أثر الذكاء الاصطناعي: فعندما تتحسن هذه الجوانب بشكل متكامل، ينعكس ذلك على قفزات كبيرة في الأداء المالي.
وفي حين أصبحت بعض المؤسسات في المملكة العربية السعودية تنتمي بالفعل إلى فئة “المؤسسات الرائدة في الذكاء الاصطناعي”، تشير النتائج إلى وجود فرص كبيرة متاحة أمام مؤسسات أخرى لتعزيز مكانتها عبر تحليل القدرات والممارسات التي تحقق التميز لهذه الشركات الرائدة (انظر الشكل 14):
وتوضح النتائج عبر هذه الأبعاد الستة أن المرحلة التالية من نضج الذكاء الاصطناعي في المملكة من المرجح ألا تتحدد معالمها من خلال بناء قدرات جديدة كلياً، بل من خلال تعزيز القدرات الحالية ورفع مستوى أدائها وزيادة معدل سرعتها وقدرتها على تحقيق الاستمرارية على نطاق أوسع.
إذا نظرنا إلى عام 2030، نجد أن أحوال المؤسسات في المملكة العربية السعودية تشير بشكل عام إلى نظرة متوازنة للأثر المستقبلي للذكاء الاصطناعي، إذ يعتقد أكثر من نصف المشاركين أن الذكاء الاصطناعي سيحقق طفرات كبيرة في مجالات العلوم والرعاية الصحية والإنتاجية، غير إن تلك المكاسب قد لا تتوزع بشكل متساوٍ؛ حيث ستتقدم بعض الدول والمجتمعات بشكل أسرع، بينما ستواجه دول ومجتمعات أخرى تحديات تتعلق بإحلال الوظائف وارتفاع مستويات عدم المساواة. ومن المتوقع أن يتطور الجهد التنظيمي ويرتفع مستوى التعاون، لكن هذا التطور لن يكون دائماً متساوٍ بين البلدان، ما قد يؤدي إلى ظهور مخاطر جديدة مصاحبة لحركة التقدم.
وفي المقابل، يتبنى ما يقرب من ثلث المشاركين (31%) نظرة أكثر تفاؤلاً تقوم على التوسع المسؤول في استخدام الذكاء الاصطناعي عبر مختلف الصناعات والقطاعات، ما يطلق العنان لمستوى غير مسبوق من الإنتاجية، ويسرع وتيرة الاكتشافات العلمية، ويسهم في تقليص عدم المساواة الاجتماعية.
ويرسم أمامنا هذا التباين صورة لسوق يدرك بوضوح إيجابيات الذكاء الاصطناعي، لكنه في الوقت نفسه يعي مخاطره المحتملة. فمستقبل الذكاء الاصطناعي ليس واضحاً ومسلماً به حسب ما جاء في منتدى الاقتصاد العالمي21. فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يعد بالتحول، من غير المرجح أن يسير مستقبله في مسار واحد. ويحدد أثره من خلال سلسلة من عمليات الشد والجذب والموازنة بين سرعة الانتشار وسلامة التقنية، وبين التوسع في استخدام التقنية في العمل وتعميم فوائدها على الجميع، وبين إتاحة مساحة للإبداع وإخضاع التقنية لرقابة منضبطة. وبالتالي، فإن المستقبل بالنسبة للمؤسسات في المملكة العربية السعودية يتمحور حول توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي بطرق فعالة من الناحية التجارية ومرنة من الناحية التشغيلية ومسؤولة من الناحية الاجتماعية.