في وقتٍ تتسارع فيه وتيرة التقدم التقني، وتتزايد فيه المتغيرات الجيوسياسية، وتتغير توقعات المواطنين، تواجه الحكومات في منطقتنا تحديات وفرصًا غير مسبوقة تحتّم عليها تجاوز حدود التكيّف مع هذه البيئة المعقدة. وبالنظر إلى السياق الفريد للمنطقة، تتطلّب الحكومات قيادة حكيمة وتحوّلًا استباقيًا بدأت تتكشّف معالمه في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على وجه التحديد.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التحوّل باعتباره أداةً حاسمةً لتحقيق مساعي الحكومات وجهات القطاع العام التي باتت تدرك الحاجة إلى اعتماد نهج مبتكر ومقاربات جديدة لتحسين خدماتها بما يضمن فائدتها وتلبيتها لاحتياجات المواطنين في آنٍ معًا.
أظهر الاستطلاع السابع والعشرون لانطباعات الرؤساء التنفيذيين: نتائج منطقة الشرق الأوسط هذه الحاجة الملحّة إلى التغيير، حيث أفاد 48% من الرؤساء التنفيذيين أن شركاتهم ستعجز عن الاستمرار خلال عقد من الزمن ما لم تشهد تطورًا ملحوظًا. وفيما تبدو جهود التحوّل أكثر تواترًا في القطاع الخاص، إلا أنها تقدّم في صميمها إطار عمل فعالاً يمكن للقطاع العام الاستفادة منه لتحقيق مساعي الإصلاح.
ترى الحكومات أن تبنّي التقنيات والتغيّر المناخي يقعان في خانة التحديات الأساسية التي تواجه المنطقة. وللانتقال نحو مستقبل رقمي مستدام، يتعين عليها معالجة مشكلات التضليل والمخاطر السيبرانية بشكل عاجل، إضافةً إلى التهديدات الجدّية التي يفرضها التغيّر المناخي. وبطبيعة الحال، تتطلب هذه القضايا الملحّة استثمارات واسعة في الموارد والاستراتيجيات من أجل التخفيف من المخاطر على المديين القريب والبعيد، مما يستلزم التركيز على الحلول المستدامة والمتقدّمة لضمان الاستقرار والقدرة على الصمود. وفي ظل هذه الظروف، تُعدّ نماذج العمل المبتكرة وسيلة ضرورية لاستحداث القيمة وتقديمها وتعظيمها، فضلاً عن فتح آفاق جديدة للكفاءة والتركيز على المواطن.
وللارتقاء إلى مستوى الحكومة 5.0 في رحلة التحوّل الرقمي، يتعيّن على الحكومات العمل على مواءمة عروض خدماتها وعملياتها مع حياة المواطنين، إضافةً إلى هيكلة الخدمات بما يتمحور حول أحداث الحياة بطريقة ميسّرة واستباقية. ويهدف هذا النهج إلى الحدّ من تدخلات المواطنين، بحيث تقدم جهات مختلفة الخدمات من خلال قناة واحدة. فمثلاً، يتطلب حدث الولادة إجراءات من وزارة الصحة، وهيئة الهوية، والهيئة العامة للتأمينات من أجل الاستحصال على وثيقة الولادة، وتحديث وثائق الهوية، وتعديل سياسات التأمين. وفي حين تصب الحكومات الخليجية تركيزها حاليًا على رقمنة مثل هذه الخدمات وتحسين كفاءتها، يسعى عدد منها، لا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى الانتقال نحو نموذج حكومي شامل يتمحور حول المواطن في السنوات القادمة.
يمكن القول إن ركائز الابتكار، والتقنيات، والاستدامة، تقع على رأس أولويات الرؤى والاستراتيجيات الوطنية للحكومات الإقليمية المتقدّمة، مثل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، ومئوية الإمارات العربية المتحدة 2071، واستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة لدولة قطر، ورؤية الكويت 2035، ورؤية سلطنة عُمان 2040. وإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدلّ على الحاجة إلى تحوّل جذري في كيفية تصميم الخدمات العامة وتقديمها، حيث تسعى الحكومات إلى استحداث نماذج أكثر مرونة، وكفاءة، وتركيزًا على المواطن.
تشكّل رؤية المملكة العربية السعودية 2030 خارطة طريق جريئة وشاملة للتحوّل تهدف إلى تنويع الاقتصاد، والحدّ من الاعتماد على الموارد النفطية، وتعزيز كفاءة القطاع العام. كما تسعى المملكة إلى استحداث منظومة اقتصادية طموحة وقادرة على الصمود من خلال التركيز على الطاقة المتجدّدة، وقطاع السياحة، والبنية التحتية الرقمية، ناهيك عن إطلاق مبادرات كبرى مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية التي تهدف إلى تحريك عجلة الابتكار التقني والاستدامة. من ناحيةٍ أخرى، يثبت استثمار المملكة في الذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، والخدمات الحكومية الرقمية، التزامها باعتماد التقنيات المتطورة لتحسين جودة حياة مواطنيها. وها هي المملكة ترسي معيارًا عالميًا للتحوّل الشامل في القطاع العام من خلال الاستخدام الاستراتيجي للتقنيات والالتزام بالتحسين المستمر، ممهدةً بذلك الطريق لمستقبل واعد.
بالتوازي، تشدّد الاستراتيجيات الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، مثل استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، واستراتيجية الإمارات للاقتصاد الرقمي، على أهمية اعتماد التقنيات والتحوّل الرقمي. كما تركز استثمارات الدولة في الذكاء الاصطناعي عن طريق جهات متنوعة مثل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وشركة "إم جي إكس" (MGX) للاستثمار التقني التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، على تسريع نمو حلول الذكاء الاصطناعي واعتمادها. وفي نهاية المطاف، تأتي هذه الاستثمارات دعمًا للعمليات الحكومية، وتؤدي إلى الارتقاء بمهارات الموظفين، وتحسين تجربة المواطن.
ومن الأمثلة على تلك الاستثمارات، منصة "تم" في أبوظبي، التي تجمع أكثر من 500 خدمة رقمية ضمن منظومة واحدة تسمح بإنجاز 98% من المعاملات الحكومية إلكترونيًا. ومن شأن هذه المبادرة توسيع نطاق الاستفادة من الخدمات وتعظيم المنفعة المترتبة على كل من الشركات، والمواطنين، والمقيمين، والزوار.
وفي سياق فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عُقد في دافوس هذا العام، استعرض وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة نموذج حكومتهم الملهم في توطيد الشراكات الاقتصادية، وتعزيز نمو التجارة الدولية، وبناء جسور التعاون مع مختلف الدول. وسلطوا الضوء على القدرات التقنية باعتبارها عوامل تمكين رئيسية للابتكار وتنمية القطاعات.
يقدّم التحوّل ما يلزم من إطار عمل وأدوات لتحقيق الأهداف الطموحة وتمكين الحكومات في المنطقة من:
عن طريق الاستفادة من التقنيات الرقمية والمعطيات المستندة إلى البيانات لتلبية التوقعات بشكل أفضل.
من خلال تحسين عملية تخصيص الموارد، وتوجيه الاستثمارات نحو المجالات الحيوية مثل التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية.
من خلال تشجيع اعتماد التقنيات الجديدة لمواجهة التحديات الاجتماعية المعقّدة.
عن طريق تطوير القدرة على مواجهة الاضطرابات والاستجابة للأزمات بشكل فعّال.
مما لا شك فيه أن الرحلة نحو التحوّل مليئة بالتحديات التي لا تقتصر على الأطر التنظيمية المعقّدة، وهياكل الحوكمة القائمة، والبنى التقنية القديمة فحسب، بل تشمل العديد من العوامل الأخرى. وعليه، تستدعي هذه الرحلة العزم على مواجهة الافتراضات التقليدية، وتبني أساليب عمل جديدة، وبناء القدرات والمهارات اللازمة. ونظرًا إلى حجم التحوّل الذي نشهده، بات من غير الوارد أمام الحكومات التلكؤ عن الاستجابة لهذه التحديات. عوضًا عن ذلك، يتعين عليها أن تشرع في مسار تحوّلي يطلق العنان للحلول المستدامة التي من شأنها بناء الثقة وتعزيز تجربة المواطن.
في سياق القمة العالمية للحكومات 2024 التي انعقدت في العام الحالي، كشفت بي دبليو سي الشرق الأوسط عن النتائج الرئيسية للاستطلاع العالمي للوزراء، والتي ارتكزت على وجهات نظر 50 وزيرًا حكوميًا من شتى أنحاء العالم حول التحديات والفرص الرئيسية التي يواجهونها أثناء رحلة تطوير وتوجيه المجتمعات نحو مستقبل رقمي مستدام. وعلى صعيد المنطقة، تلتزم بي دبليو سي بإقامة شراكات مع الحكومات لدفع عجلة هذا التحوّل الضروري. وبفضل خبراتنا الوافرة في مجال التقنيات، والاستراتيجيات، وإصلاح القطاع العام، نحن قادرون على دعم رحلتكم نحو مستقبل مستدام ومبتكر. وبالعمل معًا، يمكننا التصدي للتحديات المستقبلية واغتنام الفرص المرتقبة. لا شك أن المستقبل واعد، ومع القيادة الحكيمة والتحول الاستباقي، سنتمكن من حصد نتائج إيجابية دائمة الأثر على جميع أصحاب المصلحة.
تشكّل رحلة التحوّل محطّة بالغة الأهمية بالنسبة إلى حكومات الشرق الأوسط. ومن خلال الاستفادة من التقنيات، وتعزيز الابتكار، وإعداد الأنظمة القادرة على الصمود، ستتمكن الحكومات من تلبية الاحتياجات المتغيرة لمواطنيها، إضافةً إلى إرساء معيار عالمي للحوكمة. بدورها، تقف بي دبليو سي على أهبة الاستعداد للشراكة مع الحكومات الإقليمية لتحقيق الاستفادة القصوى من رحلة التحوّل هذه، بما يضمن مستقبلاً مستدامًا ومزدهرًا للجميع.
فلنعمل يدًا بيد من أجل تمكين التحوّل، لنغدو على بعد خطوة واحدة من إحداث تغيير جذري.