إطار جديد للنمو في المملكة العربية السعودية
تتطلب المرحلة المقبلة من النمو في المملكة العربية السعودية التحول من التركيز على الحجم إلى التركيز على الجودة. ويقدم هذا الإصدار من النشرة الاقتصادية للمملكة العربية السعودية إطاراً عملياً يساعد صناع السياسات والمستثمرين على تحديد القطاعات القادرة على تحقيق نمو مرن وعالي الإنتاجية، مع تقليل الاعتماد على الطلب الممول من عائدات النفط.
منذ إطلاق رؤية 2030، حققت المملكة تقدماً سريعاً في توسيع الأنشطة غير النفطية. وحتى عام 2024، شكّل القطاع غير النفطي نحو 56% من اقتصاد المملكة البالغة قيمته 4.7 تريليون ريال سعودي (1.25 تريليون دولار أمريكي)، كما زادت الإيرادات المالية غير النفطية بأكثر من الضعف منذ عام2017. 1
وتعكس هذه المكاسب استمرار الإصلاحات الاقتصادية، واتساع نطاق الاستثمارات العامة، وتنامي مشاركة القطاع الخاص. ويشمل ذلك إطلاق المشاريع العملاقة، وتوسّع دور صندوق الاستثمارات العامة في ترسيخ قطاعات جديدة تتراوح من السياحة إلى الصناعات المتقدمة وتصنيع السيارات، إلى جانب الاستفادة من برامج تحقيق الرؤية لتنسيق السياسات والتنظيم والاستثمار على مستوى الجهات الحكومية.
وعلى الرغم مما سبق، تخفي مؤشرات التنويع الظاهرة نقطة ضعف أعمق، إذ لا يزال جزء كبير من التوسع الأخير في الأنشطة غير النفطية ممولاً بشكل مباشر أو غير مباشر من عائدات النفط، ما يجعل النتائج الاقتصادية عرضة لتقلبات أسواق النفط. ففي عام 2025، أدى تراجع أسعار النفط إلى خفض الإيرادات المالية المتوقعة بنسبة 13.3% مقارنة بالعام السابق، وتشديد سقف الإنفاق، ما يؤكد استمرار تأثير تحركات أسعار النفط على حجم الاستثمارات غير النفطية وتوقيتها وتركيبتها.2
ولا يقتصر تأثير هذه المسألة على الطلب قصير الأجل فحسب، إذ تشير مؤشرات الإنتاجية الكلية إلى تراجع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج منذ منتصف العقد الماضي، ما يدل على أن النمو غير النفطي اعتمد بالأساس على الإنفاق الرأسمالي وزيادة حجم العمالة والإنفاق المدعوم من الدولة، بدلاً من تحقيق مكاسب مستدامة على مستوى كفاءة الإنفاق.3
ومع تشديد القيود المالية، تزداد صعوبة استمرار هذا النمط من النمو. ومن ثم، تستلزم المرحلة المقبلة من التنويع مزيداً من الجهد حيث سيقل اعتماد التقدم المحرز على التوسع في الناتج غير النفطي، بينما يزداد اعتماده على توجيه رأس المال نحو أنشطة ترفع الإنتاجية، وتولد صادرات قابلة للتوسع، وتجذب استثمارات خاصة قادرة على الاستمرار مع اعتماد أقل على دورة النفط.
يعكس هذا التحول إعادة ضبط أوسع في الاستراتيجية الاقتصادية نحو تعزيز المرونة. إذ بات صانعو السياسات يولون أهمية متزايدة لقدرة النمو على الاستمرار في مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات الدورات المالية، لا سيما في ظل بيئة عالمية أكثر انقساماً، ومع تزايد الضغوط الناتجة عن تراجع الإيرادات الهيدروكربونية.
وتتناول هذه الدراسة كيفية استمرار تأثير أسعار النفط في أداء الاقتصاد غير النفطي في المملكة، وتطرح إطاراً للنمو الموجه نحو التصدير يهدف إلى توجيه الاستثمارات نحو مصادر أكثر إنتاجية وتنافسية ومرونة للنمو غير النفطي.
تؤثر إيرادات النفط على الأداء الاقتصادي غير النفطي عبر القنوات التالية:
أولاً، تحدد أسعار النفط الحيز المالي وسرعة تنفيذ الاستثمارات العامة، إذ ساعدت فترات ارتفاع الأسعار في ضخ رأسمال سريع، وتوسيع البنية التحتية، ودعم الطلب عبر مختلف القطاعات غير النفطية. ولكن عند تراجع الأسعار، يُعاد ترتيب أولويات الإنفاق، وتزداد ضغوط الاقتراض، وتتباطأ مسارات الاستثمار. ويؤكد ذلك الحاجة إلى توجيه الموارد المالية المحدودة نحو بناء طاقات إنتاجية دائمة بدلاً من الأنشطة ذات العوائد الاقتصادية المحدودة على المدى الطويل.
ثانياً، تؤثر أوضاع سوق النفط في سلوك المستثمرين، لا سيما المستثمرين الأجانب. فعلى الرغم من أن الشركات المحلية أصبحت أكثر مرونة في التجاوب مع الظروف السوقية والاقتصادية، إذ ظلت نتائج مؤشر مديري المشتريات في نطاق التوسع حتى خلال فترات انخفاض أسعار النفط، تبقى الاستثمارات الأجنبية حساسة للتوقعات المالية ومسارات الإنفاق العام ومصداقية النمو طويل الأجل، ما يساهم في تباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال فترات تراجع أسعار النفط.4
ثالثاً، تؤثر أسعار النفط في الوضع الخارجي وتوافر النقد الأجنبي اللازم لتمويل جهود التنويع، إذ تدعم احتياطيات النقد الأجنبي استيراد السلع الرأسمالية والتقنيات والخدمات المتخصصة الضرورية للنمو غير النفطي. وعندما تتراجع إيرادات النفط، تتعرض هذه الاحتياطيات للضغط، وتتزايد الضغوط فيما يخص شروط التمويل، ما قد يتسبب في تأخير المشاريع غير النفطية أو تقليص حجمها. ويعزز ذلك أهمية بناء صادرات غير نفطية تولّد إيرادات مستقرة بالعملة الأجنبية وتقلل الاعتماد على الاحتياطيات الممولة من النفط.5
وتؤكد نتائج التحليل التجريبي أن هذه القنوات لا تزال ذات أهمية اقتصادية. إذ تشير التقديرات إلى أن كل تغير بنسبة 10% في أسعار النفط يرتبط بتغير يقارب 0.5% في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.6
الشكل (1): التغير في أسعار النفط والتغير في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي عبر الزمن
نُقدّر مرونة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي تجاه تغيرات أسعار النفط بنحو 0.05.
وبعبارة أخرى، فإن تغيرًا بنسبة 10% في أسعار النفط يؤدي إلى تغير بنحو 0.5% في الناتج المحلي الإجمالي للقطاع غير النفطي.
ولتوضيح دلالة ذلك، فإن استمرار انخفاض أسعار النفط بنسبة 10% على مدى ثلاث سنوات سيؤدي إلى خسارة تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي تُقدَّر بنحو 430 مليار ريال سعودي مقارنةً بمسار النمو الأساسي للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.7 وفي حال كانت حساسية الناتج غير النفطي لتحركات أسعار النفط أقل بمقدار النصف، فإن الخسارة التراكمية خلال الفترة نفسها ستنخفض إلى نحو 215 مليار ريال سعودي فقط. وتبرز هذه النتائج حجم المخاطر التي تفرضها تقلبات أسعار النفط على الاقتصاد غير النفطي، كما تؤكد في الوقت ذاته أهمية تقليص اعتماد نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي على أداء قطاع النفط.
الشكل (2): تأثير تراجع أسعار النفط على الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي
ولا تعني هذه النتائج أن جهود التنويع المبذولة حتى تاريخه غير فعّالة، بل تؤكد أن الاقتصاد لا يزال في مرحلة انتقالية. ويتمثل السؤال المحوري في كيفية تقليص تأثير أسعار النفط على الأداء غير النفطي بمرور الوقت، من خلال تحسين جودة وهيكل واستدامة النمو.
فيما يخص اقتصاد غني بالموارد مثل المملكة العربية السعودية، لا يوفر النمو المعتمد في المقام الأول على الاستهلاك المحلي حماية كافية ضد تقلبات دورات السلع الأساسية. فطالما ظلت عائدات النفط هي المرتكز الرئيس لدخول الأسر والإنفاق العام، سيظل الطلب المحلي متأثراً بتقلبات أسعار النفط.
ويكتسب النشاط الموجَّه للتصدير أهمية خاصة لأنه يدعم التنويع المستدام عبر عدة آليات:
تظهر الخبرات الدولية أن التنويع الموجَّه للتصدير كان ركيزة للتحول الهيكلي، سواء في الاقتصادات الغنية أو الفقيرة بالموارد.
كوريا: بناء القدرات من خلال القطاعات المتجاورة
تُبرز تجربة كوريا أن التوجه نحو التصدير قادر على أن يحقق مكاسب تراكمية على صعيد القدرات. فقد أسهم الاستثمار المبكر في بناء صناعة السفن في تطوير وتدعيم القدرات الهندسية والتصنيعية المتقدمة وأنظمة التكامل المعقدة. ومع الوقت، دعمت هذه القدرات التوسع في صناعات مجاورة مثل الكيماويات والسيارات والإلكترونيات والآلات. وكافأت الأسواق التصديرية الشركات التي توسعت بسرعة، واعتمدت تقنيات إنتاج متقدمة، والتزمت بمعايير جودة عالمية. ومع مرور الوقت، مكّن هذا النهج كوريا من تصدر مشهد سلاسل القيمة التقنية وبناء شركات قادرة على المنافسة عالمياً في عدة قطاعات. ارتكزت استراتيجية كوريا على قطاع محوري قادر على ترسيخ قاعدة قدرات واسعة، بحيث تصبح هذه القدرات قابلة للتطبيق في قطاعات أخرى قابلة للتجارة.
وتشير هذه التجربة إلى أن التنويع الناجح يعتمد على تسلسل الاستثمارات. فبدلًا من تشتيت الاستثمارات عبر أنشطة متعددة وغير مترابطة، يمكن للمملكة العربية السعودية أن تركز على القطاعات التي يتيح فيها التوسع المبكر بناء قدرات قابلة للنقل، بما يعزز الانتقال إلى مستويات أعلى من التقنية. ويمكن أن يعزز الانفتاح على التصدير في هذه القطاعات المحورية عملية التعلم، ويرفع معايير الجودة، ويسرّع ظهور شركات ذات قدرة تنافسية عالمية، بما يتيح للصناعات المجاورة التوسع بشكل أسرع وبمخاطر أقل.
ومع تزايد القيود على الأوضاع المالية، تصبح تركيبة الاستثمار أكثر أهمية من حجمه. ويتحوّل التركيز نحو تعزيز أسس التنويع المستدام، بما يشمل تطوير المهارات، وتعميق سلاسل الإمداد، وبناء قدرات صناعية تنافسية. ومع ترسّخ هذه الأسس وتوسّع الاستثمار الخاص، يُفترض أن تتراجع تدريجياً حساسية نمو الاقتصاد غير النفطي لتقلبات أسعار النفط.
ويترتب على إعادة توجيه نموذج النمو نحو هذا الاتجاه آثار واضحة على أولويات الاستثمار. فعندما يكون النشاط الاقتصادي مدفوعاً في المقام الأول بالطلب المحلي والإنفاق العام، غالباً ما يتدفق رأس المال إلى القطاعات التي تحقق مكاسب سريعة على المدى القصير، وإن كانت قدرتها على الاستدامة محدودة. فعلى سبيل المثال، يمكن لقطاع التشييد والبناء أن يرفع معدلات النمو بسرعة، إلا إن أثره يتلاشى بانتهاء المشاريع، كما أن المهارات المتولدة عنه لا تنتقل بسهولة إلى قطاعات تجارية أخرى ذات قيمة أعلى. وبالمثل، قد تساهم الأنشطة المعتمدة على الطلب الموسمي في رفع النمو مؤقتاً، ولكنها نادراً ما تحافظ على الزخم ما لم تدعم توسّع الشركات، وتعزيز سلاسل القيمة، وبناء شبكات توريد محلية. فعلى سبيل المثال، تساعد الفعاليات الكبرى في تحفيز قطاع الخدمات وتعزز من الظهور الدولي، غير إن قيمتها طويلة الأجل تعتمد على قدرتها على بناء قدرات في مجالات مثل الخدمات اللوجستية، والصناعات الإبداعية، والتقنية، أو خدمات الأعمال الدولية.
ويعني ذلك الحاجة إلى قدر أكبر من الانتقائية والانضباط في استخدام الموارد العامة. إذ تكون الموارد العامة أكثر فاعلية عندما تحقق قيمة إضافية حقيقية، وذلك من خلال خفض المخاطر في المراحل المبكرة، أو تمكين البنية التحتية المشتركة، أو تهيئة الظروف التي تتيح للمستثمرين من القطاع الخاص المشاركة بثقة. ومع نضج القطاعات، يصبح التقدم المستدام معتمداً بشكل متزايد على توسّع الشركات الخاصة وفق أسس تجارية، واستثمارها في التقنية، وقدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وتقوم اختيارات الاستثمار داخل سلاسل التوريد بدور محوري. فقد تؤثر الأنشطة الأولية التي توفر مدخلات أساسية لعدد كبير من القطاعات في الإنتاجية والقدرة التنافسية على مستوى الاقتصاد ككل. فعلى سبيل المثال، تحدد المواد والكيماويات والمنصات الرقمية تكاليف الأنشطة التصنيعية وجودتها، في حين تحفّز صناعات الآلات والمعدات الطلب على المكوّنات، والخدمات المتخصصة، والقدرات التقنية.9 وكلما زادت كثافة هذه الروابط، زادت فرص التعلم وانتقال المعرفة.
وتؤكد التجارب الدولية أهمية هذه المنظومات المترابطة. فقد أظهر التطور الصناعي في كوريا أن تطور القدرات الإنتاجية في صناعات الصلب والكيماويات ساعد كثيراً في دعم صناعة بناء السفن وصناعة السيارات. وتشير الأبحاث القائمة على الشبكات الإنتاجية إلى أن التحسينات في القطاعات الأولية تنتقل عبر شبكات الإنتاج لتؤثر في الإنتاجية على مستوى الاقتصاد بأكمله، بما يبرز الدور المحوري لمنتجي السلع الرأسمالية في نشر التقنية الناتجة.10 وتشير هذه الديناميكيات إلى أن المنظومات الصناعية المترابطة تمثل شرطاً مهماً لتحقيق تنويع اقتصادي متين في المملكة العربية السعودية.
ويقود ذلك إلى تبنّي نهج يعطي الأولوية للقدرات التصديرية، وبناء القدرات، وتعظيم القيمة المحلية، وتطوير المهارات، وتقاسم المخاطر المنضبط بين القطاعين العام والخاص.
ويعرض إطار النمو الموضح في القسم التالي من هذه الدراسة مجموعة من الاختبارات العملية التي تتيح تطبيق هذه المعايير بطريقة موحدة عند تقييم القطاعات وفرص الاستثمار.
يساعد هذا الإطار صُنّاع القرار على تقييم القطاعات أو الاستثمارات القادرة على تعزيز الاقتصاد غير النفطي وتقليص التعرض لدورات أسعار النفط. ويجمع الإطار أهم العوامل التي تساهم في تحقيق التنافسية على المدى الطويل، وتشمل امكانات التصدير، وبناء القدرات، وخلق القيمة، وتطوير المهارات، وجذب الاستثمارات الخاصة، وتعزيز المرونة الاقتصادية.
تظهر العديد من عناصر هذا الإطار بالفعل ضمن أجندة التنويع الاقتصادي في المملكة العربية السعودية. إذ تعكس المبادرات التي أُطلقت في إطار رؤية 2030 بشكل متزايد تحولًا من التركيز على التوسع الكمي في النشاط إلى بناء القدرات التصديرية، وتعميق القاعدة الصناعية، وتوسيع دور القطاع الخاص. وبناءً عليه، يقوم هذا الإطار بإضفاء طابع أكثر رسمية ودقة على نهج آخذ في التبلور بالفعل، ويوفّر أساسًا أكثر اتساقًا لتحديد أولويات الاستثمار المستقبلية في ظل تشديد الأوضاع المالية.
ويتضمن كل محور من المحاور المذكورة مجموعة من الاختبارات الرئيسية في صورة أسئلة عملية تمكّن صانعي السياسات من تقييم الاستثمارات تقييماً موحداً وقائماً على الأدلة. وقد صُممت هذه الاختبارات لتُطبَّق في المراحل المبكرة من عملية اتخاذ القرار بهدف تقييم مدى مساهمة الفرصة الاستثمارية في تحقيق تنويع مستدام، وجذب رأس المال الخاص، وبناء قدرات تدعم الإنتاجية والصادرات. وتساعد هذه الاختبارات عند تطبيقها في سياق المملكة العربية السعودية على التمييز بين الاستثمارات التي تركز أساساً على التوسع في النشاط على المدى القصير، والاستثمارات التي تساهم في تعزيز التنافسية على المدى الطويل.
لإيضاح الأثر المحتمل لتوجيه الاستثمارات نحو الإنتاجية، تم إعداد نموذج لسيناريو يتماشى مع إطار النمو المقترح. ويفترض هذا السيناريو تحقيق زيادات تدريجية في مخزون المعرفة من خلال البحث والتطوير وعمليات انتقال المعرفة التدريجي، وتطوير رأس المال البشري، وتعميق الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، على مدى عشر سنوات.
وبالاستناد إلى افتراضات مستمدة من الأدبيات الاقتصادية، يمكن أن تساهم هذه الحزمة من السياسات في رفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج بنحو 10% بحلول عام 2035، مما ينعكس في زيادة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنحو 5.5% خلال الفترة نفسها. وتقع هذه المكاسب ضمن نطاق التجارب الدولية المرصودة، ومن شأنها أن تعزز بصورة ملموسة مرونة النمو غير النفطي في المملكة.11
الشكل (3): المكاسب المحتملة من إطار النمو12
وعلى الرغم من أن هذا الأثر لا ينعكس بصورة مباشرة في نتائج المحاكاة، فإن إعادة توجيه الاستثمارات نحو أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، تعتمد على قوى عاملة عالية المهارة، وتمتاز بقدرتها على توليد آثار معرفية واسعة الانتشار، من شأنه أن يدعم هذه السياسات ويعزز مكاسب الإنتاجية بصورة إضافية.
أحرزت المملكة العربية السعودية تقدماً حاسماً في توسيع النشاط غير النفطي وإعادة تشكيل هيكل الاقتصاد السعودي في إطار رؤية 2030. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي نمواً قوياً، وتوسعت قطاعات جديدة بوتيرة سريعة، وحافظ القطاع الخاص على الزخم المطلوب حتى خلال فترات تراجع أسعار النفط. وتعكس هذه النتائج فاعلية مسار الإصلاح والدور التحفيزي للاستثمار العام في تسريع عملية التنويع الاقتصادي.
وفي المقابل، لا يزال الأداء غير النفطي متأثراً بظروف أسواق النفط، كما أن مكاسب الإنتاجية لا تزال محدودة نسبياً. ومع تقلص الحيز المالي، يصبح استمرار هذا النموذج أكثر صعوبة.
وتتطلب المرحلة المقبلة من التنويع تحولاً واضحاً في الأولويات، من التركيز على الحجم إلى التركيز على الجودة. ويستدعي ذلك توجيه رأس المال بدرجة أعلى من الانتقائية نحو الأنشطة التي تبني قدرات إنتاجية حقيقية، وتولد صادرات قابلة للتوسع، وتجذب استثمارات خاصة قادرة على دعم النمو بصورة مستقلة عن عائدات النفط.
ويوفر إطار النمو الموجَّه للتصدير المعروض في هذه الدراسة أساساً عملياً لهذا التحول. فهو ينقل مسار التنويع من التوسع الكمي إلى تعظيم الجودة، من خلال بناء قرارات الاستثمار على ركائز التنافسية التصديرية، وبناء القدرات، وتعظيم القيمة المحلية، ورفع مستوى المهارات، وتقاسم المخاطر المنضبط بين القطاعين العام والخاص. وبهذا، يسهم الإطار في تعزيز الإنتاجية وترسيخ نموذج نمو أكثر مرونة واستدامة واعتماداً على الذات للاقتصاد السعودي.
لاستكشاف إمكانات الزيادة في النمو الناتجة عن تطبيق إطار النمو، استندنا إلى مجموعة كبيرة من الدراسات الأكاديمية لوضع افتراضات واقعية بشأن آثار الإنتاجية عبر القنوات التالية:
وتُظهر قاعدة بيانات الإنتاجية عبر البلدان الصادرة عن البنك الدولي16 أن متوسط نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج عالمياً يتراوح بين 1٪ و2٪ سنوياً على المدى الطويل، مع تسجيل الاقتصادات المتقدمة معدلات نمو أبطأ، غالباً أقل من 1٪ سنوياً.
قمنا بنمذجة 17 السيناريو التالي لمحاكاة زيادة في الإنتاجية ناتجة عن حزمة افتراضية من السياسات المتوافقة مع إطار النمو:
واستناداً إلى نتائج الدراسات، من شأن هذا السيناريو أن يحقق مكاسب سنوية في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج تتراوح بين 0.25٪ و1٪، وهي ضمن النطاق الممكن وفق بيانات البنك الدولي، خاصة في ضوء النمو السلبي للإنتاجية الذي سجلته المملكة في السنوات الأخيرة.22 وتُظهر نمذجتنا أنه، في ظل هذا السيناريو، فإن السياسات الموجهة نحو تنمية مخزون المعرفة في المملكة، والارتقاء برأس المال البشري، وتحسين ترابط سلاسل الإمداد يمكن أن ترفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج بنحو 10٪ بحلول عام 2035، ما يؤدي إلى زيادة في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنحو 5.5٪ بحلول عام 2035.
Richard Boxshall
Global Economics Leader and Middle East Chief Economist, PwC Middle East
Tel: +971 (0)4 304 3100