إطار جديد للنمو في المملكة العربية السعودية

تقرير النشرة الاقتصادية في المملكة العربية السعودية

ksa-ew-2026

تتطلب المرحلة المقبلة من النمو في المملكة العربية السعودية التحول من التركيز على الحجم إلى التركيز على الجودة. ويقدم هذا الإصدار من النشرة الاقتصادية للمملكة العربية السعودية إطاراً عملياً يساعد صناع السياسات والمستثمرين على تحديد القطاعات القادرة على تحقيق نمو مرن وعالي الإنتاجية، مع تقليل الاعتماد على الطلب الممول من عائدات النفط.

مقدمة

منذ إطلاق رؤية 2030، حققت المملكة تقدماً سريعاً في توسيع  الأنشطة غير النفطية. وحتى عام 2024، شكّل القطاع غير النفطي نحو 56% من اقتصاد المملكة البالغة قيمته 4.7 تريليون ريال سعودي (1.25 تريليون دولار أمريكي)، كما زادت الإيرادات المالية غير النفطية بأكثر من الضعف منذ عام2017. 1

وتعكس هذه المكاسب استمرار الإصلاحات الاقتصادية، واتساع نطاق الاستثمارات العامة، وتنامي مشاركة القطاع الخاص. ويشمل ذلك إطلاق المشاريع العملاقة، وتوسّع دور صندوق الاستثمارات العامة في ترسيخ قطاعات جديدة تتراوح من السياحة إلى الصناعات المتقدمة وتصنيع السيارات، إلى جانب الاستفادة من برامج تحقيق الرؤية لتنسيق السياسات والتنظيم والاستثمار على مستوى الجهات الحكومية.

وعلى الرغم مما سبق، تخفي مؤشرات التنويع الظاهرة نقطة ضعف أعمق، إذ لا يزال جزء كبير من التوسع الأخير في الأنشطة غير النفطية ممولاً بشكل مباشر أو غير مباشر من عائدات النفط، ما يجعل النتائج الاقتصادية عرضة لتقلبات أسواق النفط. ففي عام 2025، أدى تراجع أسعار النفط إلى خفض الإيرادات المالية المتوقعة بنسبة 13.3% مقارنة بالعام السابق، وتشديد سقف الإنفاق، ما يؤكد استمرار تأثير تحركات أسعار النفط على حجم الاستثمارات غير النفطية وتوقيتها وتركيبتها.2

ولا يقتصر تأثير هذه المسألة على الطلب قصير الأجل فحسب، إذ تشير مؤشرات الإنتاجية الكلية إلى تراجع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج منذ منتصف العقد الماضي، ما يدل على أن النمو غير النفطي اعتمد بالأساس على الإنفاق الرأسمالي وزيادة حجم العمالة والإنفاق المدعوم من الدولة، بدلاً من تحقيق مكاسب مستدامة على مستوى كفاءة الإنفاق.3

ومع تشديد القيود المالية، تزداد صعوبة استمرار هذا النمط من النمو. ومن ثم، تستلزم المرحلة المقبلة من التنويع مزيداً من الجهد حيث سيقل اعتماد التقدم المحرز على التوسع في الناتج غير النفطي، بينما يزداد اعتماده على توجيه رأس المال نحو أنشطة ترفع الإنتاجية، وتولد صادرات قابلة للتوسع، وتجذب استثمارات خاصة قادرة على الاستمرار مع اعتماد أقل على دورة النفط.

يعكس هذا التحول إعادة ضبط أوسع في الاستراتيجية الاقتصادية نحو تعزيز المرونة. إذ بات صانعو السياسات يولون أهمية متزايدة لقدرة النمو على الاستمرار في مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات الدورات المالية، لا سيما في ظل بيئة عالمية أكثر انقساماً، ومع تزايد الضغوط الناتجة عن تراجع الإيرادات الهيدروكربونية.

وتتناول هذه الدراسة كيفية استمرار تأثير أسعار النفط في أداء الاقتصاد غير النفطي في المملكة، وتطرح إطاراً للنمو الموجه نحو التصدير يهدف إلى توجيه الاستثمارات نحو مصادر أكثر إنتاجية وتنافسية ومرونة للنمو غير النفطي.

كيف تشكل أسعار النفط أداء القطاع غير النفطي

تؤثر إيرادات النفط على الأداء الاقتصادي غير النفطي عبر القنوات التالية:

أولاً، تحدد أسعار النفط الحيز المالي وسرعة تنفيذ الاستثمارات العامة، إذ ساعدت فترات ارتفاع الأسعار في ضخ رأسمال سريع، وتوسيع البنية التحتية، ودعم الطلب عبر مختلف القطاعات غير النفطية. ولكن عند تراجع الأسعار، يُعاد ترتيب أولويات الإنفاق، وتزداد ضغوط الاقتراض، وتتباطأ  مسارات الاستثمار. ويؤكد ذلك الحاجة إلى توجيه الموارد المالية المحدودة نحو بناء طاقات إنتاجية دائمة بدلاً من الأنشطة ذات العوائد الاقتصادية المحدودة على المدى الطويل.

ثانياً، تؤثر أوضاع سوق النفط في سلوك المستثمرين، لا سيما المستثمرين الأجانب. فعلى الرغم من أن الشركات المحلية أصبحت أكثر مرونة في التجاوب مع الظروف السوقية والاقتصادية، إذ ظلت نتائج مؤشر مديري المشتريات في نطاق التوسع حتى خلال فترات انخفاض أسعار النفط، تبقى الاستثمارات الأجنبية حساسة للتوقعات المالية ومسارات الإنفاق العام ومصداقية النمو طويل الأجل، ما يساهم في تباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال فترات تراجع أسعار النفط.4

ثالثاً، تؤثر أسعار النفط في الوضع الخارجي وتوافر النقد الأجنبي اللازم لتمويل جهود التنويع، إذ تدعم احتياطيات النقد الأجنبي استيراد السلع الرأسمالية والتقنيات والخدمات المتخصصة الضرورية للنمو غير النفطي. وعندما تتراجع إيرادات النفط، تتعرض هذه الاحتياطيات للضغط، وتتزايد الضغوط فيما يخص شروط التمويل، ما قد يتسبب في تأخير المشاريع غير النفطية أو تقليص حجمها. ويعزز ذلك أهمية بناء صادرات غير نفطية تولّد إيرادات مستقرة  بالعملة الأجنبية وتقلل الاعتماد على الاحتياطيات الممولة من النفط.5

وتؤكد نتائج التحليل التجريبي أن هذه القنوات لا تزال ذات أهمية اقتصادية. إذ تشير التقديرات إلى أن كل تغير بنسبة 10% في أسعار النفط يرتبط بتغير يقارب 0.5% في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.6

الشكل (1): التغير في أسعار النفط والتغير في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي عبر الزمن

نُقدّر مرونة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي تجاه تغيرات أسعار النفط بنحو 0.05.

وبعبارة أخرى، فإن تغيرًا بنسبة 10% في أسعار النفط يؤدي إلى تغير بنحو 0.5% في الناتج المحلي الإجمالي للقطاع غير النفطي.

ولتوضيح دلالة ذلك، فإن استمرار انخفاض أسعار النفط بنسبة 10% على مدى ثلاث سنوات سيؤدي إلى خسارة تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي تُقدَّر بنحو 430 مليار ريال سعودي مقارنةً بمسار النمو الأساسي للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.7 وفي حال كانت حساسية الناتج غير النفطي لتحركات أسعار النفط أقل بمقدار النصف، فإن الخسارة التراكمية خلال الفترة نفسها ستنخفض إلى نحو 215 مليار ريال سعودي فقط. وتبرز هذه النتائج حجم المخاطر التي تفرضها تقلبات أسعار النفط على الاقتصاد غير النفطي، كما تؤكد في الوقت ذاته  أهمية تقليص اعتماد نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي على أداء قطاع النفط.

الشكل (2): تأثير تراجع أسعار النفط على الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي

ولا تعني هذه النتائج أن جهود التنويع المبذولة حتى تاريخه غير فعّالة، بل تؤكد أن الاقتصاد لا يزال في مرحلة انتقالية. ويتمثل السؤال المحوري في كيفية تقليص تأثير أسعار النفط على الأداء غير النفطي بمرور الوقت، من خلال تحسين جودة وهيكل واستدامة النمو.

أسباب أهمية النمو الموجَّه للتصدير

فيما يخص اقتصاد غني بالموارد مثل المملكة العربية السعودية، لا يوفر النمو المعتمد في المقام الأول على الاستهلاك المحلي حماية كافية ضد تقلبات دورات السلع الأساسية. فطالما ظلت عائدات النفط هي المرتكز الرئيس لدخول الأسر والإنفاق  العام، سيظل الطلب المحلي متأثراً بتقلبات أسعار النفط.

ويكتسب النشاط الموجَّه للتصدير أهمية خاصة لأنه يدعم التنويع المستدام عبر عدة آليات:

الاستهلاك المحلي محدود بحجم السكان المقيمين ومستويات دخلهم، في حين تتيح الأسواق التصديرية الوصول إلى طلب عالمي تحكمه محركات اقتصادية مختلفة. ويؤدي ذلك إلى خلق محرك ثانٍ للنمو يمكنه الاستمرار حتى عندما يتأثر الاقتصاد المحلي بانخفاض أسعار النفط.

يتطلب التصدير التزام الشركات بمعايير عالمية صارمة تتعلق بالتكلفة والجودة والتقنية. ويؤدي الاحتكاك بالمنافسة الدولية إلى تسريع التعلم، وزيادة الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار في المهارات. كما تمتد هذه المكاسب إلى القطاعات ذات الصلة، ما يعزز المنظومة الإنتاجية ككل، ويدعم قدرة الشركات على الابتكار والتوسع.

الاعتماد الكبير على صادرات النفط يعرّض الأوضاع الخارجية للمخاطر لا سيما عند تراجع عائدات النقد الأجنبي نتيجة انخفاض أسعار  النفط. ويسهم تنويع الصادرات غير النفطية في توليد تدفقات أكثر استقراراً من العملات الأجنبية، ويوفر هامش أمان خلال فترات تراجع أسعار النفط، ويدعم إدارة أكثر سلاسة للسياسات المالية والنقدية.

 يدفع نموذج النمو القائم على الاستهلاك الاستثمارات نحو قطاعات التجزئة والعقار والقطاعات المنخفضة الإنتاجية، وهو ما يحقق قيمة قصيرة الأجل دون زيادة ملموسة في الإنتاجية. في المقابل، تساهم السلع والخدمات القابلة للتجارة في تحقيق إنتاجية أعلى، وتوفير وظائف عالية الماهرة تتيح تدرجاً أفضل للأجور، نظراً لاعتمادها في الغالب على المدخلات المتخصصة والابتكار.8

تظهر الخبرات الدولية أن التنويع الموجَّه للتصدير كان ركيزة للتحول الهيكلي، سواء في الاقتصادات الغنية أو الفقيرة بالموارد.

كوريا: بناء القدرات من خلال القطاعات المتجاورة

تُبرز تجربة كوريا أن التوجه نحو التصدير قادر على أن يحقق مكاسب تراكمية على صعيد القدرات. فقد أسهم الاستثمار المبكر في بناء صناعة السفن في تطوير وتدعيم القدرات الهندسية والتصنيعية المتقدمة وأنظمة التكامل المعقدة. ومع الوقت، دعمت هذه القدرات التوسع في صناعات مجاورة مثل الكيماويات والسيارات والإلكترونيات والآلات. وكافأت الأسواق التصديرية الشركات التي توسعت بسرعة، واعتمدت تقنيات إنتاج متقدمة، والتزمت بمعايير جودة عالمية. ومع مرور الوقت، مكّن هذا النهج كوريا من تصدر مشهد سلاسل القيمة التقنية وبناء شركات قادرة على المنافسة عالمياً في عدة قطاعات. ارتكزت استراتيجية كوريا على قطاع محوري قادر على ترسيخ قاعدة قدرات واسعة، بحيث تصبح هذه القدرات قابلة للتطبيق في قطاعات أخرى قابلة للتجارة.

وتشير هذه التجربة إلى أن التنويع الناجح يعتمد على تسلسل الاستثمارات. فبدلًا من تشتيت الاستثمارات عبر أنشطة متعددة وغير مترابطة، يمكن للمملكة العربية السعودية أن تركز على القطاعات التي يتيح فيها التوسع المبكر بناء قدرات قابلة للنقل، بما يعزز الانتقال إلى مستويات أعلى من التقنية. ويمكن أن يعزز الانفتاح على التصدير في هذه القطاعات المحورية عملية التعلم، ويرفع معايير الجودة، ويسرّع ظهور شركات ذات قدرة تنافسية عالمية، بما يتيح للصناعات المجاورة التوسع بشكل أسرع وبمخاطر أقل.

ومع تزايد القيود على الأوضاع المالية، تصبح تركيبة الاستثمار أكثر أهمية من حجمه. ويتحوّل التركيز نحو تعزيز أسس التنويع المستدام، بما يشمل تطوير المهارات، وتعميق سلاسل الإمداد، وبناء قدرات صناعية تنافسية. ومع ترسّخ هذه الأسس وتوسّع الاستثمار الخاص، يُفترض أن تتراجع تدريجياً حساسية نمو الاقتصاد غير النفطي لتقلبات أسعار النفط.

ويترتب على إعادة توجيه نموذج النمو نحو هذا الاتجاه آثار واضحة على أولويات الاستثمار. فعندما يكون النشاط الاقتصادي مدفوعاً في المقام الأول بالطلب المحلي والإنفاق العام، غالباً ما يتدفق رأس المال إلى القطاعات التي تحقق مكاسب سريعة على المدى القصير، وإن كانت قدرتها على الاستدامة محدودة. فعلى سبيل المثال، يمكن لقطاع التشييد والبناء أن يرفع معدلات النمو بسرعة، إلا إن أثره يتلاشى بانتهاء المشاريع، كما أن المهارات المتولدة عنه لا تنتقل بسهولة إلى قطاعات تجارية أخرى ذات قيمة أعلى. وبالمثل، قد تساهم الأنشطة المعتمدة على الطلب الموسمي في رفع النمو مؤقتاً، ولكنها نادراً ما تحافظ على الزخم ما لم تدعم توسّع الشركات، وتعزيز سلاسل القيمة، وبناء شبكات توريد محلية. فعلى سبيل المثال، تساعد الفعاليات الكبرى في تحفيز قطاع الخدمات وتعزز من الظهور الدولي، غير إن قيمتها طويلة الأجل تعتمد على قدرتها على بناء قدرات في مجالات مثل الخدمات اللوجستية، والصناعات الإبداعية، والتقنية، أو خدمات الأعمال الدولية.

 ويعني ذلك الحاجة إلى قدر أكبر من الانتقائية والانضباط في استخدام الموارد العامة. إذ تكون الموارد العامة أكثر فاعلية عندما تحقق قيمة إضافية حقيقية، وذلك من خلال خفض المخاطر في المراحل المبكرة، أو تمكين البنية التحتية المشتركة، أو تهيئة الظروف التي تتيح للمستثمرين من القطاع الخاص المشاركة بثقة. ومع نضج القطاعات، يصبح التقدم المستدام معتمداً بشكل متزايد على توسّع الشركات الخاصة وفق أسس تجارية، واستثمارها في التقنية، وقدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.

وتقوم اختيارات الاستثمار داخل سلاسل التوريد بدور محوري. فقد تؤثر الأنشطة الأولية التي توفر مدخلات أساسية لعدد كبير من القطاعات في الإنتاجية والقدرة التنافسية على مستوى الاقتصاد ككل. فعلى سبيل المثال، تحدد المواد والكيماويات والمنصات الرقمية تكاليف الأنشطة التصنيعية وجودتها، في حين تحفّز صناعات الآلات والمعدات الطلب على المكوّنات، والخدمات المتخصصة، والقدرات التقنية.9 وكلما زادت كثافة هذه الروابط، زادت فرص التعلم وانتقال المعرفة.

وتؤكد التجارب الدولية أهمية هذه المنظومات المترابطة. فقد أظهر التطور الصناعي في كوريا أن تطور القدرات الإنتاجية في صناعات الصلب والكيماويات ساعد كثيراً في دعم صناعة بناء السفن وصناعة السيارات. وتشير الأبحاث القائمة على الشبكات الإنتاجية إلى أن التحسينات في القطاعات الأولية تنتقل عبر شبكات الإنتاج لتؤثر في الإنتاجية على مستوى الاقتصاد بأكمله، بما يبرز الدور المحوري لمنتجي السلع الرأسمالية في نشر التقنية الناتجة.10 وتشير هذه الديناميكيات إلى أن المنظومات الصناعية المترابطة تمثل شرطاً مهماً لتحقيق تنويع اقتصادي متين في المملكة العربية السعودية.

 ويقود ذلك إلى تبنّي نهج يعطي الأولوية للقدرات التصديرية، وبناء القدرات، وتعظيم القيمة المحلية، وتطوير المهارات، وتقاسم المخاطر المنضبط بين القطاعين العام والخاص. 

ويعرض إطار النمو الموضح في القسم التالي من هذه الدراسة مجموعة من الاختبارات العملية التي تتيح تطبيق هذه المعايير بطريقة موحدة عند تقييم القطاعات وفرص الاستثمار.

إطار النمو الخاص ببي دبليو سي

يساعد هذا الإطار صُنّاع القرار على تقييم القطاعات أو الاستثمارات القادرة على تعزيز الاقتصاد غير النفطي وتقليص التعرض لدورات أسعار النفط. ويجمع الإطار أهم العوامل التي تساهم في تحقيق التنافسية على المدى الطويل، وتشمل امكانات التصدير، وبناء القدرات، وخلق القيمة، وتطوير المهارات، وجذب الاستثمارات الخاصة، وتعزيز المرونة الاقتصادية.

تظهر العديد من عناصر هذا الإطار بالفعل ضمن أجندة التنويع الاقتصادي في المملكة العربية السعودية. إذ تعكس المبادرات التي أُطلقت في إطار رؤية 2030 بشكل متزايد تحولًا من التركيز على التوسع الكمي في النشاط إلى بناء القدرات التصديرية، وتعميق القاعدة الصناعية، وتوسيع دور القطاع الخاص. وبناءً عليه، يقوم هذا الإطار بإضفاء طابع أكثر رسمية ودقة على نهج آخذ في التبلور بالفعل، ويوفّر أساسًا أكثر اتساقًا لتحديد أولويات الاستثمار المستقبلية في ظل تشديد الأوضاع المالية.

ويتضمن كل محور من المحاور المذكورة مجموعة من الاختبارات الرئيسية في صورة أسئلة عملية تمكّن صانعي السياسات من تقييم الاستثمارات تقييماً موحداً وقائماً على الأدلة. وقد صُممت هذه الاختبارات لتُطبَّق في المراحل المبكرة من عملية اتخاذ القرار بهدف  تقييم مدى مساهمة الفرصة الاستثمارية في تحقيق تنويع مستدام، وجذب رأس المال الخاص، وبناء قدرات تدعم الإنتاجية والصادرات. وتساعد هذه الاختبارات عند تطبيقها في سياق المملكة العربية السعودية على التمييز بين الاستثمارات التي تركز أساساً على التوسع في النشاط على المدى القصير، والاستثمارات التي تساهم في تعزيز التنافسية على المدى الطويل.

  

 

لا يمكن للطلب المحلي وحده أن يدعم حجم الإنتاج ومعدل الإنتاجية والتحسين المستمر اللازم لتحقيق تنافسية طويلة الأجل. فغياب القدرة التصديرية يجعل الاستثمارات عرضة للاعتماد على تقلبات الإنفاق المحلي. فعلى سبيل المثال، إذا كان التوسع في القطاعات لا يخدم سوى الطلب المحلي، كما هو الحال في تجارة التجزئة ذات الطابع المحلي أو خدمات التشييد غير الموجهة للتداول التجاري، فهذا التوسع لن يكون له أثر يذكر في بناء التنافسية أو تقليص التعرض للدورات المالية المحلية.

وفي المقابل، تواجه الشركات التي تخدم الأسواق الخارجية متطلبات أعلى فيما يتعلق بالتكلفة والجودة والموثوقية، ما يفرض انضباطاً طبيعياً يدفع نحو الابتكار ورفع الكفاءة التشغيلية. وتستفيد القطاعات الموجّهة للتصدير من اتساع قواعد الطلب التي تخاطبها، وتكون أقل تأثراً بالدورات المالية المحلية، الأمر الذي يعزز مرونتها. وبناءً عليه، ينبغي أن تعطي قرارات الاستثمار الأولوية للأنشطة التي تمتلك مسارات موثوقة للنفاذ إلى الأسواق الإقليمية أو العالمية.

وتشمل الأمثلة على ذلك مكونات السيارات المرتبطة بسلاسل توريد الشركات المصنعة الإقليمية للمعدات الأصلية، ومعالجة المعادن والمواد المرتبطة بالطلب الصناعي العالمي، وصناعات الآلات المتخصصة التي تخدم مجموعة من القطاعات الدولية. وتساهم الخدمات الموجهة للتصدير، مثل الخدمات اللوجستية، وخدمات الطيران، والسياحة، في زيادة إيرادات النقد الأجنبي. وفي الوقت ذاته، يخلق النمو المتسارع في الطلب العالمي على الطاقة النظيفة والموثوقة لتشغيل مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي فرصاً جديدة في مجالات التصنيع الأخضر ومعدات الطاقة المتجددة، لا سيما في الأسواق التي تسعى إلى شراكات طاقة مستقرة وطويلة الأجل.

الاختبارات الرئيسية:

  • هل يتمتع القطاع بأسواق تصديرية واضحة ذات اتجاهات طلب مستدامة؟

  • هل تستطيع الشركات السعودية بناء مزايا تنافسية في التكلفة أو الجودة أو الاعتمادية ضمن أفق زمني واقعي؟

  • هل يمكن للمنتجين تلبية المعايير التنظيمية والفنية في الأسواق المستهدفة، وهل تتوافر الأنظمة الداعمة اللازمة لذلك؟

  • إلى أي مدى يعتمد القطاع على الطلب العالمي على النفط، وهل ستؤدي تحركات أسعار النفط إلى إضعاف او تعزيز تنافسيته؟

سنغافورة: تنويع الصادرات القائم على الخدمات بدعم من الخدمات اللوجستية والانفتاح

استفادت سنغافورة من موقعها الجغرافي وبيئتها التنظيمية من أجل بناء منظومة لوجستية عالمية المستوى، مما ساهم في استقطاب شركات صناعية ومالية وشركات في قطاع تقنيات المعلومات والاتصالات. وأصبحت الخدمات الموجهة للتصدير ركيزة أساسية للاستثمار وبناء المهارات. واعتمد مسار التنويع في الدولة المدينة على تراكم منضبط للقدرات في قطاعات تستفيد من الحجم والاندماج في سلاسل التوريد العالمية. ومع توسع الصادرات غير النفطية في السلع والخدمات عالية القيمة، تحسّن وضع النقد الأجنبي، ما أسهم في تقليص التعرض للصدمات الخارجية.

وعلى غرار سنغافورة تمتلك المملكة العربية السعودية قطاع خدمات لوجستية قادر على القيام بدور الركيزة التي تبنى عليها مجموعة من الصناعات الأخرى، وعدم الاكتفاء بأن يكون مجرد صناعة مستقلة. فمن شأن تحسين كفاءة الموانئ، وزيادة طاقة الشحن الجوي، وتطوير الخدمات اللوجستية متعددة الوسائط أن يدعم صادرات التصنيع، ومراكز التوزيع الإقليمية، وخدمات تنفيذ التجارة الإلكترونية، وخدمات الطيران. وتساهم هذه الأنشطة في خلق وظائف ماهرة، وجذب الشركات متعددة الجنسيات الباحثة عن مراكز إقليمية موثوقة، وتعزيز اندماج المملكة بصورة أعمق في سلاسل التوريد العالمية.

 

لا تولّد القطاعات ذات المحتوى التقني المحدود أو العمليات التشغيلية الروتينية مستويات التعلم اللازمة لرفع الإنتاجية على المدى الطويل. فعلى سبيل المثال، تؤدي أنشطة التجميع الأساسية التي لا تتضمن وظائف تصميم المنتجات أو تنفيذ أعمال الهندسة أو تطوير المنتجات إلى حصر الشركات في الأنشطة منخفضة القيمة، دون دعم حقيقي لبناء قدرات أوسع.

وفي المقابل، تساهم القطاعات التي تولّد آثاراً معرفية غير مباشرة في رفع الإنتاجية على مستوى الاقتصاد بمختلف قطاعاته. فمع تحسين الشركات لعملياتها، واعتمادها لتقنيات جديدة، ومراكمتها للخبرات، تنتقل هذه القدرات إلى الموردين والقطاعات المجاورة، ما يخلق قاعدة تدعم الابتكار، وخفض التكاليف، وتعزيز التنافسية طويلة الأجل. وعليه، ينبغي إعطاء الأولوية للأنشطة التي تمكّن الشركات من بناء قدرات تقنية وتشغيلية قابلة للنقل، وليس مجرد خلق وظائف.

وتشمل الأمثلة على ذلك صناعات الطيران والهندسة الدقيقة، حيث يدعم العمق الهندسي وأنظمة الجودة المتقدمة بناء قدرات صناعية أوسع. كما تُعد الخدمات المرتبطة بأشباه الموصلات، والإلكترونيات الدقيقة، والإلكترونيات المتقدمة منصات ابتكار تؤثر في عدد كبير من القطاعات. وتسهم مجالات تقنيات المعلومات والاتصالات، مثل تطوير البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، في نشر القدرات الرقمية عبر الاقتصاد، في حين تعزز الروبوتات والأتمتة الصناعية الكفاءة التقنية في قطاع التصنيع. وبالمثل، تخلق تقنيات الهيدروجين الأخضر آثاراً معرفية مهمة من خلال تطوير الخبرات في تكامل الأنظمة، وإلكترونيات القدرة، وهندسة العمليات، والسلامة الصناعية، وهي قدرات ذات صلة مباشرة بتحديث شبكات الكهرباء، والمعدات الصناعية المتقدمة، والبنية التحتية للطاقة على نطاق واسع.

الاختبارات الرئيسية:

  • هل يتميز القطاع بسهولة التعلم تدريجياً، بحيث تنخفض التكاليف مع تراكم الخبرة؟

  • هل يطوّر مهارات أو منصات تقنية قابلة للتطبيق عبر صناعات متعددة؟

  • هل توجد إمكانية واقعية لبناء أو استقطاب وظائف ذات قيمة مضافة، مثل التصميم، والهندسة، وتطوير البرمجيات، أو البحث والتطوير، بدلاً من الاقتصار على العمليات الروتينية؟

دراسة حالة: تطور قطاع تقنيات المعلومات والاتصالات وأشباه الموصلات في تايوان

تجسّد تجربة تايوان في التحول إلى مركز عالمي لتقنيات المعلومات والاتصالات وأشباه الموصلات أهمية عمليات انتقال المعرفة تدريجياً. فقد ساعد الاستثمار المبكر في تجميع الإلكترونيات في بناء قاعدة من المهارات التقنية وشبكات الموردين. وشجّعت الحكومة الشركات على الانتقال نحو التصميم، والتصنيع المتقدم، والهندسة المتطورة، من خلال دعم المعاهد البحثية، وبرامج تنمية المواهب، والشراكات الصناعية. ومع الوقت، انتشرت القدرات التي تطورت في صناعة أشباه الموصلات إلى مجالات تصنيع المعدات، وأدوات التشغيل الدقيقة، والبرمجيات، والخدمات الرقمية، والمكوّنات المتقدمة. وأسهمت عمليات انتقال المعرفة التدريجية هذه في تشكيل منظومة تصديرية عالية الإنتاجية، تتميز بقوة الابتكار والقدرة التنافسية العالمية.

يحقق التنويع الاقتصادي أثراً أقوى وأكثر استدامة عندما يُخلق جزء ملموس من القيمة داخل الاقتصاد المحلي. ويؤدي الاعتماد على الحلول الجاهزة المستوردة، مع انخفاض قدرة التوطين أو نقل المهارات، إلى إحداث أثر اقتصادي محلي محدود. وعلى سبيل المثال، لا تساهم المشاريع الكبرى التي ينفذها بالكامل مقاولون أجانب في مجالات الهندسة والتوريد والإنشاء، دون برامج لتطوير الموردين المحليين، إلا في بناء قدرات محدودة، وتقتصر مشاركة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على أنشطة التعاقد من الباطن منخفضة القيمة.

وتحقق القطاعات القادرة على بناء قواعد موردين محلية، وتعميق المنظومات الصناعية، وتوسيع دور الشركات الوطنية فوائد اقتصادية أوسع نطاقاً. ومع مرور الوقت، يسهم ذلك في رفع الإنتاجية، وتعزيز المرونة الاقتصادية، وتقليص الاعتماد على الواردات. وبناءً عليه، ينبغي أن تفضّل قرارات الاستثمار الأنشطة القادرة على ترسيخ سلاسل توريد محلية وخلق فرص حقيقية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ولمقدمي الخدمات المتخصصة.

وتشمل الأمثلة على ذلك صناعات الآلات والمعدات، حيث يمكن للشركات المحلية أن تبدأ تدريجياً بتوفير المكوّنات والخدمات المتخصصة. كما يمكن للصناعات الكيماوية وصناعات التحويل اللاحقة أن تستفيد من مزايا المدخلات المحلية، في حين يمكن لقطاع تصنيع الأغذية أن يندمج بصورة أعمق مع سلاسل القيمة الزراعية المحلية، مع الإسهام في تحقيق أهداف الأمن الغذائي الوطني. وتوفر أنشطة الصيانة والإصلاح والعمرة في مجالات الطيران، والمعدات الصناعية، وأصول الطاقة فرصاً واعدة لتطوير خدمات تقنية محلية متقدمة. 

الاختبارات الرئيسية:

  • ما نسبة المدخلات والمكوّنات والخدمات المتقدمة التي يمكن توفيرها محلياً ضمن إطار زمني معقول؟

  • هل تتضمن التزامات الاستثمار الأجنبي المباشر خططاً واضحة لتطوير الموردين، ونقل التقنية، وبناء القدرات داخل الاقتصاد المحلي؟

  • هل تستطيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة المشاركة بما يتجاوز التعاقد من الباطن الأساسي، والانتقال تدريجياً إلى أنشطة أعلى قيمة؟

  • هل توجد مسارات واقعية لزيادة حصة الشركات الوطنية من القيمة المضافة مع توسّع القطاع؟

دراسة حالة: سلاسل التوريد البحرية في النرويج

تُظهر الصناعات البحرية وصناعات الأنشطة البحرية العميقة في النرويج كيف يمكن للمنظومات المحلية القوية أن تخلق قيمة اقتصادية مستدامة. فقد ساهم الاستثمار في بناء السفن والهندسة البحرية في تحفيز نمو مجموعة من الموردين المحليين في مجالات تصنيع المعدات، والخدمات المتخصصة، وتقنيات أعماق البحر، وأعمال الصيانة. وطوّرت هذه الشركات قدرات مكّنتها لاحقاً من دعم التوسع في تقنيات الطاقة البحرية المتجددة والخدمات البحرية المتقدمة. وساهم اتساع شبكة الموردين في تعزيز مرونة الاقتصاد، ومكّن النرويج من الاستحواذ على حصة كبيرة من القيمة الناتجة عن الطلب العالمي، حتى مع تطور مشهد الطاقة العالمي.

يعتمد الاقتصاد غير النفطي الأكثر إنتاجية ومرونة على قوة عاملة تمتلك مجموعة من المهارات التقنية والرقمية والإدارية المتقدمة. فالقطاعات التي تقوم أساساً على مهام يدوية روتينية، مثل الضيافة الأساسية، أو العمالة منخفضة المهارة في مواقع العمل، أو التخزين اليدوي، تعتمد بدرجة كبيرة على قوى عاملة مؤقتة، وتوفر مسارات محدودة للانتقال إلى أدوار تقنية أو مهنية. ويؤدي ذلك إلى زيادة تعرض العاملين لمخاطر الأتمتة، ويحد من تنمية رأس المال البشري المحلي على المدى الطويل.

في المقابل، تساهم الاستثمارات التي تخلق وظائف مستقرة وعالية المهارة في دعم نمو الأجور على المدى الطويل، وتحسين أداء الشركات، وتعزيز التنافسية. وبناءً عليه، ينبغي توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة التي توسع قاعدة المواهب المحلية، وتساعد على استبقاء الكفاءات عالية المهارة، وتقلل الاعتماد على العمالة منخفضة المهارة.

وتشمل الأمثلة على ذلك الأتمتة الصناعية وصيانة الروبوتات، حيث تتطلب الشركات خبرات تقنية ومعرفية متقدمة في الأنظمة. كما تساهم المواد المتقدمة والمركّبات في تعزيز مهارات الهندسة والتصميم. وتوفر مجالات الأمن السيبراني، والتقنيات المالية، والخدمات الرقمية المتخصصة فرصاً لتوسيع التوظيف عالي المهارة في قطاعات سريعة النمو. كذلك، تخلق الخدمات المهنية مثل الاستشارات الهندسية، والخدمات القانونية، والمحاسبية، والتصميم طلباً مستداماً على الكفاءات المتخصصة. وتوفر صناعات علوم الحياة، إلى جانب الخدمات التنظيمية المرتبطة بها، وظائف عالية الجودة في مجالات البحث، والامتثال، والإنتاج المتخصص.

الاختبارات الرئيسية:

  • هل يخلق القطاع وظائف مستدامة في مجالات تقنية أو مهنية أو إبداعية؟

  • هل يسهم في توسيع قاعدة المواهب الوطنية وتقليص الاعتماد على العمالة منخفضة الأجور أو المؤقتة؟

  • هل تتماشى المهارات المطلوبة مع احتياجات سوق العمل المستقبلية، بما في ذلك تأثير الذكاء الاصطناعي والأتمتة؟

  • هل توجد فرص واقعية لإقامة شراكات مع الجامعات، ومقدمي التدريب، أو المعاهد الصناعية لبناء قدرات متخصصة بالقطاع؟

يعتمد التنويع المستدام على شركات خاصة تنافسية تقود الاستثمار والابتكار والتوسع. أما الإنفاق العام الذي يحل محل رأس المال الخاص، فيؤدي إلى خلق اعتماد مفرط على الدولة ويضعف حوافز الشركات لتحسين الكفاءة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الدعم الحكومي طويل الأجل للعمليات التشغيلية أو ضمان الطلب في مشاريع ذات جدوى تجارية إلى مزاحمة الاستثمار الخاص وإقصائه بدلاً من استقطابه للمشاركة.

وتكتسب آليات تقاسم المخاطر بين القطاعين العام والخاص أهمية خاصة في القطاعات الجديدة أو المعقدة، حيث يمكن لمشاركة الحكومة في الاستثمار، أو تقديم الضمانات، أو تنفيذ المشتريات المبكرة أن تساهم في تأكيد الطلب وخفض مستويات عدم اليقين في المراحل الأولى.

وتشمل الأمثلة على ذلك التجمعات الصناعية الناشئة، حيث تقلل مرافق الاختبار المشتركة أو البنية التحتية الموحدة من حواجز الدخول أمام المستثمرين، ومشاريع الطاقة المتجددة أو الهيدروجين الأخضر الرائدة، التي تساعد فيها المشاركة الحكومية الأولية في وضع المعايير وتخفيف مخاطر الاستثمار المبكر. كما قد تتطلب منظومات مراكز البيانات تسهيلات أولية لمعالجة قيود البنية التحتية. ويمكن للوجهات السياحية أن تستفيد من استثمارات عامة مبكرة في البنية التحتية الممكنة، مثل شبكات النقل، والمرافق، وتحسين المجال العام، بما يجعل المشاريع الخاصة واسعة النطاق مجدية تجارياً. كذلك، تصبح المراكز اللوجستية أكثر جاذبية للمشغلين من القطاع الخاص عندما توفر الحكومة البنية التحتية الأساسية التي تعزز الربط، والموثوقية، وكفاءة التشغيل.

وقد طبّقت المملكة العربية السعودية هذا النهج بشكل متزايد. إذ اضطلع صندوق الاستثمارات العامة بدور المستثمر المُرتكز في قطاعات مثل تصنيع السيارات، والسياحة، والطاقة النظيفة، بما ساهم في تأكيد الطلب واستقطاب رأس المال الخاص، بدلًا من إحلاله. كما توفر المناطق الاقتصادية الخاصة والتجمعات الصناعية بنية تحتية مشتركة تُسهم في خفض حواجز الدخول أمام المصنّعين ومقدّمي الخدمات.

ومع نضج القطاعات، ينبغي أن يُدار النشاط بشكل متزايد وفق أسس تجارية، دون اعتماد مستمر على الدعم العام. وتُظهر التجربة حتى الآن أن رأس المال العام يكون أكثر فاعلية عندما يعمل كمحفّز للاستثمار الخاص، لا كبديل عنه. وبناءً عليه، تقيّم الاختبارات التالية ما إذا كانت مشاركة الحكومة تحقق قيمة إضافية حقيقية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الانضباط التجاري مع نضج القطاعات.

الاختبارات الرئيسية: 

  • هل يوفر تدخل الحكومة قيمة إضافية حقيقية من خلال تحفيز استثمارات خاصة أو أجنبية لم تكن لتتحقق لولا ذلك؟
  • هل يوجد إطار واضح لتقاسم المخاطر بين القطاعين العام والخاص يقلل من عدم اليقين في المراحل المبكرة، مع إبقاء المخاطر التجارية طويلة الأجل على عاتق الشركات؟
  • هل يمكن تقليص الحوافز العامة تدريجياً مع نضج القطاع دون الإضرار بجدواه الاقتصادية؟
  • هل تلتزم الشركات بضخ رأس مالها الخاص في بناء القدرات، والتقنية، وتطوير القوى العاملة؟ 

دراسة حالة: الاستخدام الانتقائي للاستثمار العام في سنغافورة لتحفيز نمو يقوده القطاع الخاص

اتبعت سنغافورة نهجاً انتقائياً في استخدام التمويل العام لدعم تقاسم المخاطر في المراحل المبكرة وتهيئة بيئة تمكينية في قطاعات مثل الخدمات اللوجستية، والخدمات المالية، والتصنيع المتقدم. وتركزت التدخلات الحكومية الأولية على تطوير البنية التحتية للموانئ، والمناطق الصناعية، وتوفير وضوح تنظيمي. وبمجرد ترسيخ هذه الأسس، ضخّت الشركات الخاصة استثمارات كبيرة، جالبةً معها التقنية والخبرات التشغيلية. وأسهم الإنفاق العام في خفض المخاطر الأولية وإرسال إشارات التزام قوية، في حين تولّت الشركات التنافسية التي تعمل على أسس تجارية قيادة دفة سفينة النمو على المدى الطويل.

المكاسب المحتملة من تطبيق إطار النمو

لإيضاح الأثر المحتمل لتوجيه الاستثمارات نحو الإنتاجية، تم إعداد نموذج لسيناريو يتماشى مع إطار النمو المقترح. ويفترض هذا السيناريو تحقيق زيادات تدريجية في مخزون المعرفة من خلال البحث والتطوير وعمليات انتقال المعرفة التدريجي، وتطوير رأس المال البشري، وتعميق الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، على مدى عشر سنوات.

وبالاستناد إلى افتراضات مستمدة من الأدبيات الاقتصادية، يمكن أن تساهم هذه الحزمة من السياسات في رفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج بنحو 10% بحلول عام 2035، مما ينعكس في زيادة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنحو 5.5% خلال الفترة نفسها. وتقع هذه المكاسب ضمن نطاق التجارب الدولية المرصودة، ومن شأنها أن تعزز بصورة ملموسة مرونة النمو غير النفطي في المملكة.11

الشكل (3): المكاسب المحتملة من إطار النمو12

وعلى الرغم من أن هذا الأثر لا ينعكس بصورة مباشرة في نتائج المحاكاة، فإن إعادة توجيه الاستثمارات نحو أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، تعتمد على قوى عاملة عالية المهارة، وتمتاز بقدرتها على توليد آثار معرفية واسعة الانتشار، من شأنه أن يدعم هذه السياسات ويعزز مكاسب الإنتاجية بصورة إضافية.

الخلاصة

أحرزت المملكة العربية السعودية تقدماً حاسماً في توسيع النشاط غير النفطي وإعادة تشكيل هيكل الاقتصاد السعودي في إطار رؤية 2030. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي نمواً قوياً، وتوسعت قطاعات جديدة بوتيرة سريعة، وحافظ القطاع الخاص على الزخم المطلوب حتى خلال فترات تراجع أسعار النفط. وتعكس هذه النتائج فاعلية مسار الإصلاح والدور التحفيزي للاستثمار العام في تسريع عملية التنويع الاقتصادي.

وفي المقابل، لا يزال الأداء غير النفطي متأثراً بظروف أسواق النفط، كما أن مكاسب الإنتاجية لا تزال محدودة نسبياً. ومع تقلص الحيز المالي، يصبح استمرار هذا النموذج أكثر صعوبة.

وتتطلب المرحلة المقبلة من التنويع تحولاً واضحاً في الأولويات، من التركيز على الحجم إلى التركيز على الجودة. ويستدعي ذلك توجيه رأس المال بدرجة أعلى من الانتقائية نحو الأنشطة التي تبني قدرات إنتاجية حقيقية، وتولد صادرات قابلة للتوسع، وتجذب استثمارات خاصة قادرة على دعم النمو بصورة مستقلة عن عائدات النفط.

ويوفر إطار النمو الموجَّه للتصدير المعروض في هذه الدراسة أساساً عملياً لهذا التحول. فهو ينقل مسار التنويع من التوسع الكمي إلى تعظيم الجودة، من خلال بناء قرارات الاستثمار على ركائز التنافسية التصديرية، وبناء القدرات، وتعظيم القيمة المحلية، ورفع مستوى المهارات، وتقاسم المخاطر المنضبط بين القطاعين العام والخاص. وبهذا، يسهم الإطار في تعزيز الإنتاجية وترسيخ نموذج نمو أكثر مرونة واستدامة واعتماداً على الذات للاقتصاد السعودي.

الملحق

لاستكشاف إمكانات الزيادة في النمو الناتجة عن تطبيق إطار النمو، استندنا إلى مجموعة كبيرة من الدراسات الأكاديمية لوضع افتراضات واقعية بشأن آثار الإنتاجية عبر القنوات التالية:

تشير الدراسات على نطاق واسع إلى أن تراكم المعرفة وانتشارها يساهمان في زيادة الإنتاجية. وتُظهر الدراسات المسحية لدراسات العلاقة بين الابتكار والإنتاجية أن المرونة الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج بالنسبة لمخزون المعرفة تتراوح عادة بين 0.02 و130.08.

تُجمع الدراسات على وجود علاقة إيجابية بين كمية ونوعية رأس المال البشري والإنتاجية. وتشير التقديرات إلى أن زيادة بنسبة 1٪ في متوسط سنوات التعليم ترتبط بارتفاع في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج يتراوح بين 0.07 و0.23 نقطة مئوية.14

على الرغم من اختلاف النسب بحسب السياق، تشير الدراسات التجريبية إلى أن تحسينات الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج الناتجة عن تكامل سلاسل الإمداد تتراوح عادة بين 3٪ و10٪. كما تشير التقديرات15 إلى أن الشركات التي تنضم إلى سلاسل الإمداد متعددة الجنسيات تحقق زيادة في الإنتاجية تتراوح بين 4٪ و9٪ خلال أربع سنوات، إلى جانب نمو في التوظيف وتحسن في الممارسات الإدارية.

وتُظهر قاعدة بيانات الإنتاجية عبر البلدان الصادرة عن البنك الدولي16 أن متوسط نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج عالمياً يتراوح بين 1٪ و2٪ سنوياً على المدى الطويل، مع تسجيل الاقتصادات المتقدمة معدلات نمو أبطأ، غالباً أقل من 1٪ سنوياً.

قمنا بنمذجة 17 السيناريو التالي لمحاكاة زيادة في الإنتاجية ناتجة عن حزمة افتراضية من السياسات المتوافقة مع إطار النمو: 

على مدى عشر سنوات، ومن خلال تعزيز البحث والتطوير وانتشار المعرفة، يُفترض نمو مخزون المعرفة بمعدل 5٪ سنوياً (وهو افتراض محافظ مقارنة بتوقعات تصل إلى 9٪).18

على مدى عشر سنوات، يرتفع متوسط سنوات التعليم من المستوى الحالي البالغ 12.4 سنة إلى 13.4 سنة.19

ترتفع نسبة الشركات في المملكة العربية السعودية المرتبطة بسلاسل القيمة العالمية من 30٪ (وهو متوسط الاقتصادات متوسطة الدخل20) إلى 60٪ (متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية21) خلال عشر سنوات.

واستناداً إلى نتائج الدراسات، من شأن هذا السيناريو أن يحقق مكاسب سنوية في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج تتراوح بين 0.25٪ و1٪، وهي ضمن النطاق الممكن وفق بيانات البنك الدولي، خاصة في ضوء النمو السلبي للإنتاجية الذي سجلته المملكة في السنوات الأخيرة.22 وتُظهر نمذجتنا أنه، في ظل هذا السيناريو، فإن السياسات الموجهة نحو تنمية مخزون المعرفة في المملكة، والارتقاء برأس المال البشري، وتحسين ترابط سلاسل الإمداد يمكن أن ترفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج بنحو 10٪ بحلول عام 2035، ما يؤدي إلى زيادة في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنحو 5.5٪ بحلول عام 2035.

1. تقرير نهاية العام المالي لأداء الميزانية الفعلي، وزارة المالية 2017 ​

2. خلال الفترة ما بين 2023 و2025، ومع تعرض إيرادات النفط لضغوط، شهدت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حالة من الاستقرار النسبي، وذلك على الرغم من قوة الثقة المحلية في النشاط الاقتصادي​

3. تشير الأدبيات الاقتصادية أيضاً إلى أثر معاكس مهم خلال فترات ارتفاع أسعار النفط، حيث يمكن للطلب المدفوع بالنفط أن يؤدي إلى ارتفاع التكاليف المحلية وسعر الصرف الحقيقي، مما يضعف القدرة التنافسية الدولية للقطاعات التجارية غير النفطية. وتُظهر الأدلة أن ضغوط ارتفاع سعر الصرف المرتبطة بالطلب والتحولات في الإنتاجية قد تُبطئ توسّع الصادرات غير النفطية، حتى في ظل قوة النشاط الاقتصادي الكلي. يُرجى الاطلاع على: Oil and Non-Oil Determinants of Saudi Arabia’s International Competitiveness: Historical Analysis and Policy Simulations, Hasanov, F. J., & Razek, N., KAPSARC, 2023. ​

4. تم استخدام تحليل الانحدار الخطي متعدد المتغيرات لتحديد العلاقة بين أسعار النفط والناتج المحلي الإجمالي غير النفطي منذ عام 2010، مع تضمين متغير وهمي لمعالجة احتمال حدوث تحول هيكلي خلال جائحة كوفيد-19.​

5. تم بناء خط الأساس باستخدام بيانات الهيئة العامة للإحصاء للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، إلى جانب توقعات صندوق النقد الدولي للناتج غير النفطي في المملكة العربية السعودية، (IMF Regional Economic Outlook, IMF, October 2025)​

6. تُعد الصادرات غير النفطية أيضاً مؤشراً غير مباشر على مستوى التطور الصناعي والتقني، إذ يتطلب بناء قاعدة صادرات غير نفطية قدرات تصنيعية متقدمة، وتصدير الخدمات (مثل السياحة، والخدمات اللوجستية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، والخدمات المالية)، وسلاسل توريد متكاملة، وأيدي عاملة ماهرة، واعتماداً واسعاً للتقنية. ​

7. Trade in capital goods, Eaton, J. and Kortum, S., European Economic Review, Elsevier, vol. 45(7), pages 1195-1235, 2001. ​

8. The Network Origins Of Aggregate Fluctuations, Acemoglu, D., Carvalho, V. M., Ozdaglar, A., Tahbaz-Salehi, A., Econometrica, Vol. 80, No. 5 (September, 2012), 1977–2016. ​

9. لمزيد من التفاصيل حول افتراضات النمذجة، يرجى الرجوع إلى الملحق. ​

10. تم بناء خط الأساس باستخدام بيانات الهيئة العامة للإحصاء للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وتوقعات صندوق النقد الدولي للناتج غير النفطي في المملكة العربية السعودية، (IMF Regional Economic Outlook, IMF, October 2025)​

11. Innovation and productivity: the recent empirical literature and the state of the art, Jacques Mairesse, Pierre Mohnen, Eurasian Economic Review, February 2025 ​

12. Human capital, technological progress and technology diffusion across Europe: education matters, Akhvlediani & Cieślik, Empirica, 47(3), 475-493, 2019​

13. The Effects of Joining Multinational Supply Chains: New Evidence from Firm-to-Firm Linkages, Alonso Alfaro-Ureña, Isabela Manelici & Jose P Vasquez, The Quarterly Journal of Economics, Volume 137, Issue 3, August 2022​

14. Global Productivity: Trends, Drivers, and Policies, Dieppe, A., S. Kilic Celik, G. Kindberg-Hanlon, World Bank, 2020​

15. استخدمنا نموذج التوازن العام القابل للحوسبة الديناميكي المتسلسل لمحاكاة أثر زيادة نمو الإنتاجية على الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي​

16. Saudi Arabia Patent Market Growth Outlook, AI Scope, Innovations & Share 2026-2033, Purple Cow Agency Reports, December 2025​

17. Human Capital Country Brief: Saudi Arabia, World Bank, October 2023​

18. Global Value Chains and Local Business Environments, Marion Dovis and Chahir Zaki, Review of Industrial Organization, June 2020​

19. World Development Report 2020: Trading for Development in the Age of Global Value Chains, World Bank, 2020​

20. Impact of Total Factor Productivity and Employment on Economic Growth: A Case Study of Saudi Arabia Imad Eldin E. Abdel Karim Yousif, & Kamaleldin Ali Bashir, King Saud University, 2021​

21. تم بناء خط الأساس باستخدام بيانات الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، وتوقعات الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي الصادرة عن صندوق النقد الدولي للمملكة العربية السعودية (التقرير الاقتصادي الإقليمي، صندوق النقد الدولي، أكتوبر 2025).​

Contact us

Riyadh Al Najjar

Riyadh Al Najjar

PwC ME Chairman of the Board & Saudi Country Senior Partner, PwC Middle East

Faisal Al-Sarraj

Faisal Al-Sarraj

KSA Deputy Country Leader, PwC Middle East

Richard Boxshall

Richard Boxshall

Global Economics Leader and Middle East Chief Economist, PwC Middle East

Tel: +971 (0)4 304 3100

Jing Teow

Jing Teow

Partner | Economic Policy and Strategy, PwC Middle East

Tel: +971 (0)56 247 6819

Follow us