سترسم الجهود التجارية وسلاسل التوريد وتقنيات الذكاء الاصطناعي والمهارات والمرونة المالية ملامح المسار الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي في سبيل ترسيخ أسس النمو المستدام على المدى الطويل
مع دخول عامَ 2026، يتزايد تركيز السياسات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي على تعزيز المرونة عبر محاور التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد، بالإضافة إلى تبنّي التقنيات الحديثة، ورفع جاهزية القوى العاملة ،وتحسين المرونة المالية. وتُشكّل هذه الأولويات الإطارَ الذي سيحدّد القوى المؤثرة على الوضع الاقتصادي للمنطقة خلال العام المُقبل.
وقد شهد العام الماضي استمرار التقدّم في مسار التنويع الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية؛ حيث مضت الحكومات قدماً في مفاوضات التجارة، ووسّعت الاستثمارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، ودعمت تنفيذ إصلاحاتٍ قطاعيةٍ في مجالات الخدمات اللوجستية، والتصنيع، والطاقة. ولكن في المقابل، أصبحت الظروف الخارجية أكثر تحدّياً، في ظلّ تراجع توقّعات أسعار النفط، وتشديد الأوضاع المالية العالمية، وتصاعد حدّة المنافسة الجيوسياسية في مجالات التجارة والتقنيات وسلاسل التوريد.
ومع مطلع عام 2026، تسهم هذه الأوضاع في تعزيز التركيز على المرونة، لا على التوسّع وحده. ومن المتوقّع أن تعمل الحكومات على توسيع نطاق العلاقات التجارية والاستثمارية، وتأمين الوصول إلى المعادن الحيوية والمدخلات الصناعية، فضلاًعن تسريع تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات ذات الأولوية، مع انحسار القيود المرتبطة بالبنية التحتية. وفي الوقت نفسه، تتكيّف السياسات المالية مع انخفاض إيرادات النفط والغاز من خلال إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتسييل الأصول، وإدارة الالتزامات، وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
وتُشير هذه التطوّرات مجتمعةً إلى أنّ عام 2026 سيبني على زخم عام 2025، مع تعميق المرونة الاقتصادية وتسريع وتيرة التنويع عبر خمسة محاور رئيسية تُشكّل ملامح المرحلة المقبلة.
في ظل تزايد الاضطرابات الجيوسياسية واستمرار التوتر في العلاقات الأمريكية الصينية، تشهد ملامح التجارة العالمية تغيرات متسارعة، فقد تبنّت الولايات المتحدة سياسةً تجارية وصناعية قائمة على الصفقات والمصالح المباشرة، مما دفع الاقتصادات المعتمدة على التجارة الحرة إلى إعادة تقييم استراتيجياتها. أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن ذلك يُعزز الحاجة إلى توسيع نطاق العلاقات التجارية، وضمان الوصول إلى أسواق واعدة وتعزيز المرونة في سياق عالمي يشهد مزيداً من الانقسام والتشتت.
من المتوقع أن توسّع دول مجلس التعاون الخليجي شبكة شركائها خلال عام 2026، مستندةً إلى الإيجابية التي شهدها عام 2025. فقد شهدت المفاوضات مع الصين ونيوزيلندا والاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة لبلدان المخروط الجنوبي ("ميركوسور") واليابان تقدماً ملحوظاً، بينما انتقلت المحادثات مع المملكة المتحدة إلى مراحلها النهائية، ما قد يُفضي إلى إبرام اتفاقية خلال 20261. كما تشير الشراكات مع ماليزيا وفيتنام، إلى جانب عملية الجدوى المشتركة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، إلى استمرار التوجه نحو بناء محفظة أكثر تنوعاً وتوازناً من العلاقات الاقتصادية.2
ومن المتوقع أن يزداد الانخراط في الممرات التجارية الناشئة خلال الفترة المقبلة، فقد أبرزت قمة آسيان ومجلس التعاون الخليجي والصين في عام 2025 الدور المتنامي للمنطقة في المشهد الاقتصادي الآسيوي. كما يُنتظر إحراز تقدمٍ إضافيٍ في مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، في ظل سعي أوروبا إلى بناء علاقات مع شركاء جدد، ورغبة دول مجلس التعاون الخليجي في الاستفادة من موقعها الجغرافي لتعزيز التجارة بين الشرق والغرب.3
بالتوازي مع ذلك، تشهد الاتفاقيات الثنائية توسعاً ملحوظاً، فقد وسّعت دولة الإمارات برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة ليشمل أكثر من عشرين شريكاً في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتشير التقارير إلى قفزاتٍ ملحوظةٍ في التدفقات التجارية، ومن بين ذلك تضاعف أرقام النمو مع الهند وتركيا وإندونيسيا (يرجى الرجوع إلى الرسم 1)، الأمر الذي شجّع اقتصادات خليجية أخرى على تبني نهجٍ مماثل.4 وفي هذا السياق، تقترب عُمان من إبرام اتفاقيتها مع الهند، فيما أبدت قطر اهتمامها بالمضي قدماً في اتفاقياتها الثنائية.5
ومن المتوقع أن يتسارع هذا المسار خلال عام 2026، إذ تتيح اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة للدول مواءمة سياساتها التجارية مع أولوياتها الاقتصادية المحلية، وتعزز التعاون في مختلف المجالات مثل التجارة الرقمية وحماية الملكية الفكرية والمعايير البيئية وصياغة قواعد موحدة لتحديد دول المنشأ، حيث تشكل هذه العناصر الأساس لشراكات أكثر تكاملاً وتطوراً.
علاوةً على ذلك، شهدت وتيرة العمل في مجال التجارة زخماً متزايداً خلال عام 2025، حيث أسفرت اللقاءات رفيعة المستوى عن التزامات استثمارية كبيرة من قطر والإمارات والمملكة العربية السعودية في مشاريع وبرامج توريد داخل الولايات المتحدة الأمريكية.6 وستساعد هذه الترتيبات أيضاً دول مجلس التعاون الخليجي في دخول أسواق تتسم بمنتجات منخفضة، على غرار بعض الدول الإفريقية، حيث تعهّدت المملكة بضخ مبلغ 41 مليار دولار أمريكي في مجالي الاستثمار والتجارة.7
من المرجح أيضاً أن تلجأ حكومات والتقنيات دول مجلس التعاون الخليجي إلى استخدام حزم متكاملة تجمع بين التجارة والاستثمار بنهج أكثر فعالية، تماشياً مع جهودها الدبلوماسية التي تركّز على المصالح التجارية ، وذلك في ظل المنافسة على استقطاب رأس المال وتوسيع الوصول إلى الأسواق. ومن المتوقع أن تصبح الشراكات المرتبطة بالاستثمارات عنصراً أكثر شيوعاً في المشهد الاقتصادي الدولي.
تؤكّد هذه التحولات مجتمعةً مسار المنطقة نحو ترسيخ مكانتها كمركز رئيسي للتجارة بين الشرق والغرب، وبين دول الجنوب.
يواصل الطلب العالمي على المعادن الحيوية الارتفاع مع تسارع التحولات في قطاع الطاقة وتطور آليات التصنيع، وتُعد هذه المواد ضرورية لإنتاج البطاريات وأشباه الموصلات والتقنيات المرتبطة بالطاقة المتجددة، مما يفرض ضغوطاً جديدة على سلاسل التوريد المتركزة في نطاق ضيق، وبالتالي تكون أكثر عرضة للتأثيرات الجيوسياسية (يرجى الرجوع إلى الرسم 2). ولا تزال القدرة الإنتاجية لمعالجة عدد من المعادن الرئيسية تحت هيمنة الصين، ولا سيما في مجالات معالجة المعادن النادرة وتكريرها، الأمر الذي يدفع الحكومات والصناعات حول العالم إلى البحث عن مصادر أكثر مرونة وتنوعاً للتوريد.
بات ضمان الحصول على هذه المواد أولويةً استراتيجيةً لدول مجلس التعاون الخليجي مع تسارع خططها الطموحة في مجال الصناعة والتصنيع. وتعمل المملكة العربية السعودية على ترسيخ مكانتها كمحور رئيسي في مجال التعدين والمعادن الحيوية، حيث تؤدّي شركة معادن، الشركة الوطنية الرائدة في التعدين، دوراً بارزاً في هذا المسار، إذ وسّعت الشركة محفظتها لتشمل الفوسفات والألمنيوم والنحاس والمعادن الحيوية الواعدة، مدعومةً بالتزامات استثمارية طويلة الأجل وشراكات مع شركات عالمية. وتشير شراكتها في مشروع الألمنيوم والبوكسايت مع شركة ألكوا، إلى جانب استثماراتها في مجال التنقيب مع شركة إيفانهو إليكتريك، إلى جهودها المستمرة الرامية إلى تعزيز الموارد في المراحل الأولية وتطوير قدرات المعالجة في المراحل الوسطى.8 وتدعم هذه الخطوات الأهداف الوطنية الرامية إلى جعل قطاع التعدين ركناً أساسياً من ركائز الاقتصاد بحلول عام 2035.
تتجه الصناديق الاستثمارية الخاصة وتلك المرتبطة بالحكومات إلى عقد شراكات في إفريقيا وآسيا بهدف تأمين الوصول إلى المعادن الحيوية في المراحل الأولية من سلسلة التوريد. ومن الأمثلة على ذلك، المشروع المشترك بين شركة أبوظبي القابضة وشركة أوريون ريسورس بارتنرز لإنشاء منصة استثمارية، في حين تركز شراكة جهاز قطر للاستثمار مع شركة إيفانهو ماينز في جنوب إفريقيا على التمويل واستكشاف فرص الاستحواذ وإمكانات التطوير في المراحل النهائية.9
تتخذ المنطقة خطوات مبكرة نحو توطين أجزاء من سلسلة القيمة الخاصة بالمعادن الحيوية، متجاوزةً مرحلة الوصول إلى الموارد في المراحل الأولى نحو المعالجة والتكرير في المراحل الوسطى، فقد بدأت المملكة العربية السعودية في إيلاء الأولوية لتطوير مناطق معالجة على نطاق تجاري للمعادن المستخدمة في البطاريات والمعادن الأرضية النادرة، مدعومةً بحوافز نظام الاستثمار التعديني وبرامج التمويل الصناعي في المملكة. كما وضعت شركة معادن خططاً لاستكشاف إمكانيات تكرير بعض المعادن الحيوية، وذلك لدراسة فرص إنشاء سلسلة توريد متكاملة بالكامل للمعادن الأرضية النادرة داخل المملكة.10 وفي الوقت نفسه، تمضي دولة الإمارات في تحقيق طموحات مماثلة، حيث تستقطب أبوظبي اهتماماً استثمارياً في المراحل المبكرة لمعالجة معادن البطاريات وتصنيع المعادن ذات القيمة المضافة، بما يتماشى مع استراتيجيتها الصناعية. وتشير هذه الجهود إلى توجه طويل الأمد تسعى فيه دول مجلس التعاون الخليجي ليس فقط لتأمين المواد الخام، بل أيضاً لبناء قدرات التكرير والتحويل والمعالجة اللازمة لتعزيز مشاركتها الفاعلة في سلاسل القيمة العالمية للمعادن الحيوية.
وبحلول عام 2026، يُتوقع أن توسّع المنطقة تعاونها مع المنتجين في أفريقيا في المراحل الأولى من سلسلة التوريد، وأن تُعزز قدراتها المحلية في المعالجة الأولية للمعادن، وأن تطوّر قدراتها اللوجستية لدعم تداول المواد الاستراتيجية. وتبرز هذه التطورات مكانة دول مجلس التعاون كمحور رئيسي يربط بين إمدادات المعادن من أفريقيا والطلب الصناعي العالمي.
شهد عام 2025 احتدام المنافسة العالمية على قدرات الحوسبة، والكفاءات المؤهلة والمتخصصة، وبيئات البيانات الآمنة. وقد كشفت هذه الضغوط عن تحديات جوهرية في القدرات الحوسبية على مستوى المنطقة؛ تتمثل في محدودية الوصول إلى وحدات معالجة الرسوميات المتقدمة (GPUs) الضرورية لتسريع تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى نقص في السعة السحابية السائدة اللازمة لتدريب النماذج على نطاق واسع.11
وبالتالي، استجابت الحكومات لهذا التحدي عبر ضخ استثمارات كبيرة لتوسيع سعات الحوسبة، إلى جانب بناء شراكات تهدف إلى ضمان توفير الشرائح عالية الأداء. وقد أفضت جهود الإمارات والمملكة العربية السعودية إلى نتائج بارزة على أرض الواقع، حيث أصبحتا من بين الدول الرائدة عالمياً في مجال تطوير خطط ومشاريع إنشاء مجموعات وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) (يرجى الرجوع إلى الرسم 3)، مع ترقب بدء تشغيل سعات إضافية كبيرة خلال عام 2026. وفي الإمارات، من المقرر أن يبدأ تشغيل المرحلة الأولى من مشروع ستارغيت الإمارات، مدعوماً بتوسعات إضافية من خزنة داتا سنترز لتوفير مجموعات أكبر من وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) ومناطق سحابية عالية الكثافة.12 وعلى الجانب الآخر، ستواصل المملكة المرحلة التالية من برنامجها الوطني للذكاء الاصطناعي مع بدء شركة هيوماين في إضافة سعات جديدة لمراكز البيانات ودمج وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) “بلاكويل” من إنفيديا – وهي أحدث معالجات الشركة التي حصلت مؤخراً على موافقة التصدير من وزارة التجارة الأمريكية.13 وفي قطر، أُطلقت شركة كاي التابعة لجهاز قطر للاستثمار لتطوير وتشغيل بنية تحتية للذكاء الاصطناعي محلياً وعالمياً.14 تسهم هذه التطورات في تقليل الاعتماد على الحلول الخارجية، وتمكين المؤسسات من تنفيذ مهام حوسبة مكثفة باستخدام بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي معتمدة من الحكومات.
من المرجّح أن يشهد عام 2026 تحوّلاً من الاستثمارات التي تقودها الحكومات إلى استثمارات على مستوى الشركات، وذلك بسبب تضاؤل فجوات البنية التحتية. من المتوقع زيادة إمكانية الوصول إلى القدرات الحاسوبية وخيارات الاستضافة المحلية؛ الأمر الذي من شأنه أن يجعل آليات الاستخدام التجاري واسعة النطاق أكثر قابلية للتنفيذ. ويُتوقع أيضاً أن تنتقل الشركات العاملة في قطاعات الخدمات المالية واللوجستيات والطاقة والنقل وتجارة التجزئة من مراحل التجريب إلى التشغيل والتبني، مع اعتماد نماذج عمليّة خاصة بكل قطاع، ومنصّات مخصّصة لأتمتة العمليات، وخدمات عملاء مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
سيشكّل الوضوح في السُبل التنظيمية عاملاً محفّزاً آخر في عام 2026؛ فالبيئة التنظيمية الحالية تُتيح تسريع وتيرة التشغيل والتبني، إذ تصل مشاريع مراكز البيانات عادةً إلى مرحلة التشغيل خلال فترة تتراوح من 18-24 شهراً، مقارنةً بحوالي 36-72 شهراً في الولايات المتحدة، حيث يمكن لإجراءات إصدار التصاريح وقيود الشبكات أن تُضيف تأخيراتٍ تمتد لعدة سنوات.15 وبالنظر إلى المستقبل، من المتوقّع أن تتبنّى الحكومات قواعد أكثر تحديداً بشأن كيفية بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي وتقييمها. وتشمل هذه القواعد وضع توقّعاتٍ أكثر وضوحاً بشأن مصادر البيانات المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكيفية تصنيف المؤسسات لمخاطر النماذج وإدارتها، إضافةً إلى مستوى الاختبارات المستقلة المطلوبة لسيناريوهات الاستخدام الحسّاسة، على غرار التمويل أو الرعاية الصحية. ومن المرجّح أيضاً أن تعتمد الجهات التنظيمية عمليات منظّمة للإبلاغ عن الحوادث، ومعالجة شكاوى المستخدمين المرتبطة بالقرارات الآلية، وإجراء مراجعات داخلية دورية للنماذج ذات الأثر العالي. وستوفّر هذه الإجراءات للشركات بيئة امتثال أكثر قابلية للتنبؤ، وتُسهم في تسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي في القطاعات الخاضعة للقواعد التنظيمية.
ستؤثّر سيادة البيانات بشكل متزايد في كيفية إدارة الحكومات والشركات لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي. ومع نضوج قدرات الحوسبة السحابية الإقليمية، يُتوقّع أن توسّع عدة دول في مجلس التعاون الخليجي متطلبات التوطين للبيانات الحسّاسة، وأن تفرض تشغيل بعض النماذج - مثل الخدمات الحكومية والسجلات الصحية والبيانات المالية - على بنية تحتية محلية. وسيؤدي ذلك إلى تحفيز الاستثمار في بحيرات البيانات الوطنية، وتبنّي بيئاتٍ آمنة لتدريب النماذج، واعتماد منصّات موثوقة للبيانات، بما يُتيح تطوير الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى نقل البيانات الحسّاسة عبر الحدود.
تُشير هذه التوجّهات مجتمعةً إلى أن عام 2026 سيشهد انتقال الرؤى المتعلّقة بالذكاء الاصطناعي من مرحلة الطموح إلى التطبيق واسع النطاق، بما يُسرّع المكاسب الإنتاجية ويعزّز القدرة التنافسية في المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي.
شهد نمو الإنتاجية في دول مجلس التعاون الخليجي تراجعاً خلال العقد الماضي، وذلك حسب مقياس إجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج (TFP) (انظر الرسم رقم 4). يقيس هذا المقياس أثر التحسينات في الإمكانيات التكنولوجية والممارسات الإدارية وقدرات القوى العاملة على كمية الإنتاج، بما يُمكّن الاقتصادات من رفع مستوى الإنتاجية، بدلاً من الاكتفاء بإضافة مزيدٍ من العمالة أو زيادة رأس المال. ويتباين هذا التراجع مع استمرار تحقيق المكاسب في الأسواق المتقدمة، ويعكس بطء تبنّي وانتشار التقنيات الجديدة، ومحدودية الابتكار في العمليات، ووجود فجوات في المهارات ضمن القطاعات سريعة النمو. ويمنح حجم التحوّل المرتبط بالذكاء الاصطناعي المنطقة فرصةً لعكس هذا التراجع من خلال التبنّي الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يُعزّز المكاسب الفعلية ويدفع عجلة نمو الإنتاجية.
مع تسارع وتيرة تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتجه سياسات سوق العمل من التركيز على خلق الوظائف إلى إدارة تحوّلات القوى العاملة. ومن المتوقّع أن تُعيد الأتمتة، والأدوات التوليدية باستخدام الذكاء الاصطناعي، والأنظمة القائمة على البيانات تشكيل الأدوار الوظيفية عبر قطاعات الخدمات المالية واللوجستيات وخدمة العملاء والقطاع الحكومي. وفي عام 2026، ستركّز الحكومات وأصحاب العمل على تزويد العاملين بالمهارات اللازمة للوظائف الناشئة بدلاً من الحفاظ على الأدوار التقليدية، ولا سيّما في القطاعات التي يُتوقّع أن تكون المكاسب الإنتاجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي فيها أكثر وضوحاً.
ستشهد برامج التدريب القصيرة المبنيّة على المسارات توسّعاً كبيراً، ومن المرجّح أن تصبح شهادات التخصصات الدقيقة والمتميزة جزءاً أساسياً من أنظمة المؤهلات الوطنية، مع قدر أكبر من توحيد المعايير والمواءمة مع احتياجات أصحاب العمل. كما ستشهد البرامج في مجالات تحليل البيانات، والأمن السيبراني، والعمليات الرقمية، وعمليات الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي توسّعاً ملحوظاً. وسيُدعَم هذا التوجّه بشراكاتٍ تجمع بين الحكومات، وكبرى جهات التوظيف، وشركات التقنيات العالمية، على نحوٍ يعكس مبادراتٍ قائمة مثل الدورات المسرَّعة التي تقدّمها أكاديمية الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) في مجالات تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وتعلّم الآلة التطبيقي، بالشراكة مع شركاتٍ مثل مايكروسوفت وآي بي إم، إلى جانب مبادرة «مليون خبير لأوامر الذكاء الاصطناعي» التابعة لمؤسسة دبي للمستقبل. .16
ستنمو مسارات التعلّم القائم على بيئة العمل بالتوازي مع نموّ البرامج التدريبيّة، ومن المتوقّع أن تعتمد الشركات مسارات أشبه بالتدريب المهني، إلى جانب التدريب المنظّم أثناء العمل، لبناء قدرات رقمية عملية. وستدعم هذه البرامج أدوار «التحول»، أي الموظفين القادرين على دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في سير العمل، وإعادة تصميم العمليات، وضمان الاستخدام الآمن والفعّال في العمليات اليومية.
من المُرجّح أن تُقدِم الحكومات على منح حوافز للأفراد في سبيل دعم التحوّلات الوظيفية، وقد تشمل هذه الحوافز توفير مخصّصات مالية للتحوّل الوظيفي في منتصف المسار المهني، وتبنّي برامج انتقالية تُساعد المواطنين على الانتقال إلى أدوار أعلى في القطاع الخاص، وخلق مسارات تُمكّن المهنيين الوافدين من التحوّل إلى وظائف رقمية. وسيتركّز الاهتمام على تطوير المهارات التي تُعزّز القدرة التنافسية، بدلاً من حماية هياكل الوظائف القائمة.
ستصبح منصّات المواهب بين القطاعين العام والخاص أكثر تطوّراً، وستدمج هذه المنصّات بيانات سوق العمل الفورية ومخرجات التدريب واحتياجات أصحاب العمل، لمواءمة قدرات العاملين مع فرص إعادة التأهيل الوظيفي والوظائف الجديدة. ومن المتوقّع أن تتطوّر النماذج المبكرة - مثل منصّة «عُقول» في قطر التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج أوصاف وظيفية متّسقة، ومنصّة الموارد البشرية الذكية للمواطنين في دولة الإمارات العربية المتحدة -17 إلى أدوات أكثر غنى بالبيانات في عام 2026، بما يوجّه تخطيط القوى العاملة الوطنية، ويساعد على توجيه الاستثمارات في إعادة التأهيل المهني.
ستُفتح الأبواب أمام فئاتٍ جديدةٍ من العمل، ومن بينها مشغّلو نماذج الذكاء الاصطناعي، ومراجعو الجودة، والمتخصّصون في المخاطر والامتثال، وستكون هذه الأدوار محوريّةً في توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي بأمان عبر القطاعات الخاضعة للقواعد التنظيميّة.
تُشير أوجه التحوّل هذه مجتمعةً إلى أن عام 2026 سيشهد قفزةً نوعيّةً نحو الإدارة الفاعلة لتحوّلات القوى العاملة، بما يضمن أن تتحوّل مكاسب الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي إلى مسار نمو شاملٍ ومستدام.
في ظل توقّعات عالمية تُشير إلى أن يبلغ متوسط أسعار النفط نحو 55–60 دولاراً أمريكياً للبرميل في عام 2026، ستواجه الاقتصادات الإقليمية المنتجة للنفط أوضاعاً مالية أكثر صعوبة، ما يزيد من الحاجة إلى تعزيز المرونة.18 وسيؤدي تراجع إيرادات النفط والغاز "الهيدروكربون" إلى زيادة الحاجة لضبط الإنفاق وتنويع مصادر الإيرادات وجذب الاستثمارات الخاصةً، ولا سيّما مع استمرار برامج التحوّل الوطني واسعة النطاق.
تتجه الأنظار مجدداً إلى الخصخصة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع استعداد الحكومات لطرح مزيدٍ من الأصول في الأسواق وتحقيق عوائد من مؤسسات مملوكة للدولة في قطاعات اللوجستيات والمرافق وإدارة المياه والنفايات وخدمات الطاقة غير الاستراتيجية. ومن المتوقّع أن تمضي المملكة العربية السعودية قدماً في صفقات تشمل المطارات وأصول تحلية المياه، في حين يُرجّح أن تواصل دولة الإمارات تحقيق العوائد من بعض الأصول المرتبطة بهيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا) ومجموعة موانئ أبو ظبي.19 تهدف هذه المبادرات إلى إعادة توجيه الأموال العامة نحو استثمارات ذات أثر أعلى، واستقطاب رأس المال الخاص إلى قطاعات النقل والمرافق.
لا تزال نسبة الدين الحكومي الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي أدنى إلى حدّ كبير من المتوسط لدى الاقتصادات المتقدمة، وذلك على مستوى المنطقة (انظر الرسم رقم 5). ومن المتوقّع أن تزيد الدول من الاقتراض، بما يشمل الصكوك والسندات المرتبطة بالاستدامة، من أجل تمويل العجز ودعم الاستثمارات الاستراتيجية. كما ستُسهم الترقيات الأخيرة في التصنيف الائتماني لكل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ودولة الكويت في تسهيل الوصول إلى الأسواق. وفي الوقت نفسه، ستظل الشراكات بين القطاعين العام والخاص عنصراً رئيسياً في تنفيذ المشاريع الرأسمالية، مع الحدّ من الضغوط المباشرة على الميزانيات الحكومية.
ستُسهم إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وإجراء إصلاحات في نظام الدعم المالي في توجيه عمليّة إعداد الميزانيات. ستتجه الحكومات إلى توجيه مزيدٍ من الإنفاق نحو المشاريع ذات الأثر الاقتصادي القوي، مثل البنية التحتية الرقمية، واللوجستيات، والتنمية الصناعية، والتحوّل في قطاع الطاقة، مع تقليص الإنفاق في المجالات ذات العائد الأقل. وتُشكّل أوجه الدعم المالي في مجال الطاقة والمرافق حالياً حصةً كبيرةً من الإنفاق، وقد يشهد عام 2026 إصلاحات تسعيرية أوسع نطاقاً فيما يخص مجال المرافق، مع تقديم دعم موجّه للأسر ذات الدخل المنخفض.
ستمضي الدول قدماً في تنويع الإيرادات. ورغم احتمال إدخال بعض التدابير الضريبية الجديدة، فإن الحكومات ستُركّز على تعزيز أُطر ضرائب الشركات وضريبة القيمة المضافة، وتحسين الامتثال، وتوسيع قاعدة المعاملات الرقمية والعابرة للحدود.20 ومن شأن دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت، بعد إدخالهما ضرائب الحدّ الأدنى المحلي الإضافي، أن تبدآ في تحقيق إيرادات غير نفطية أكثر استقراراً.21
بشكلٍ عام، يُتوقّع أن يكون عام 2026 محورياً لإعادة التوازن المالي في دول مجلس التعاون الخليجي. وسيعتمد النجاح على حشد الاستثمارات الخاصة، والإدارة الاستباقية للالتزامات، وإعطاء الأولوية للإنفاق الرأسمالي الداعم لتنويع الاقتصاد على المدى الطويل.
يستهل مجلس التعاون الخليجي عام 2026 بأجندةٍ واضحةٍ تتمثّل في تعميق الاندماج الاقتصادي العالمي، ووضع أسس صناعات جديدة، وتعزيز المرونة في البيئة العالمية التي باتت تتّسم بمزيدٍ من عدم اليقين. ويُظهر التقدّم المحقّق في مجالات التجارة والتقنيات وسلاسل الإمداد وتحوّلات القوى العاملة والسياسة المالية منطقةً تضع نفسها على مسار يعزز المرونة والقدرة التنافسية على المدى الطويل ، بدلاً من الاكتفاء بتكيّفات قصيرة الأمد. وستُحدد قدرة الحكومات والشركات على تنفيذ هذه الأولويات - من خلال حشد رأس المال، وتسريع بناء القدرات، والحفاظ على زخم الإصلاح - مدى فاعلية تحويل دول مجلس التعاون الخليجي للفرص الحالية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة.
للمزيد من التفاصيل، ترقّبوا إصدارنا المرتقب «المشهد الاقتصادي في الشرق الأوسط»، حيث نستعرض أحدث التطورات الاقتصادية في المنطقة بمزيدٍ من التفاصيل، إلى جانب المدوّنات القصيرة «شؤون الاقتصاد»، وسلسلة بودكاست «لمحات اقتصادية».