مع توسّع الأصول العامة وتزايد المتطلبات المالية، تتجه المملكة العربية السعودية إلى إعادة النظر في منهجية إدارة الأصول. وفي هذا الصدد، يقدّم هذا التقرير خارطة طريق عملية تبدأ بتأسيس وحدات متخصصة لإدارة الأصول، وتمر عبر اعتماد أنظمة متوافقة مع سلسلة معايير المنظمة الدولية للتوحيد القياسي الأصول (55000 ISO)، وتنتهي بترسيخ مفهوم تكلفة دورة الحياة كجزء أصيل من عملية إعداد الميزانيات. وبالاستناد إلى الدروس المستفادة من تجربة أستراليا والمملكة المتحدة، يوضح التقرير مدى مساهمة التكامل بين إدارة الأصول والإدارة المالية في تحسين جودة الخدمات، وخفض النفقات الشاملة، وتعزيز القدرة على المرونة المالية.
التحدي
مع تحوّل المملكة العربية السعودية إلى المحاسبة القائمة على أساس الاستحقاق، تواجه العديد من المؤسسات الحكومية صعوبة في إنشاء سجلات شاملة وموثوقة للأصول الثابتة ومن ثم إدارتها على نحو يضمن استدامة دقتها. وفي حين تتمثل العقبة الأولية في عملية إنشاء هذه السجلات، التي يُعتمد فيها عادةً على بيانات مجزأة أو غير مالية، تكمن الصعوبة الأكبر على المدى الطويل في إدارة هذه السجلات بطريقة فعالة تدعم اتخاذ القرار بشكل مستمر. ونظراً للتعامل مع إدارة الأصول باعتبارها عملية متعلقة بالامتثال في المقام الأول، من المحتمل أن تبقى هذه العملية في القطاع العام منفصلة عن صميم عمليات التخطيط المالي وإعداد الميزانيات وتقديم الخدمات.
وقد يؤدي هذا الفصل إلى تقليص الاستدامة المالية على المدى الطويل. فمن دون تبنّي تخطيط استثماري يراعي دورة حياة الأصول ويقلص التكاليف، قد تواجه المؤسسات العامة مخاطر ارتفاع نفقات التشغيل، وضعف كفاءة استثمار أو صيانة الأصول، وتراكم المخاطر المالية بمرور الزمن. لذلك، فإن المحاسبة على أساس الاستحقاق وحدها غير كافية، إذ يجب أن تكون جزءاً من نظام متكامل أوسع يجمع بين إدارة الأصول والإدارة المالية. كما يجب الجمع بين الإدارة المالية وإدارة الأصول؛ فغياب التخطيط طويل المدى يحدّ من أداء الأصول، وغياب الرؤية الواضحة للأصول يجعل الخطط المالية أقل مصداقية.
الفرص
تتحرك المملكة العربية السعودية بخطى استباقية نحو معالجة هذا التحدي من خلال برنامج إصلاحي مزدوج المسار. فعلى مستوى المؤسسات الحكومية، تعمل إدارات المالية على تطوير نماذجها التشغيلية لتشمل وحدات مخصّصة لإدارة الأصول، لا بهدف تلبية المعايير المحاسبية فحسب، وإنما لضمان تحقيق أقصى قيمة من الأصول في كل مرحلة من مراحل دورة حياتها. ويتضمن هذا التوجّه إعادة تعريف الأدوار، وتعزيز تدفقات البيانات، ودمج إدارة الأصول في عمليات إعداد الميزانيات، والتخطيط الرأسمالي، ومتابعة الأداء.
وعلى الصعيد الوطني، تتحرك مؤسسات محورية، مثل وزارة المالية وهيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية والهيئة العامة لعقارات الدولة، لإصدار إرشادات منهجية، وتفعيل أطر تنظيمية داعمة، ومواءمة التخطيط الرأسمالي مع متطلبات الأداء والانضباط المالي على المدى الطويل.
ورغم أن الإرشادات الوطنية الراهنة ملائمة لتحقيق الأهداف الفورية للمرحلة الانتقالية، ومنها التحوّل من المحاسبة النقدية إلى المحاسبة على أساس الاستحقاق، إلا إن الوقت قد حان لتتطور بما يكفل استدامة إدارة الأصول على المدى الطويل. ويشمل ذلك إنشاء وحدات رسمية لإدارة الأصول داخل المؤسسات والجهات العامة، وتحديد الأدوار والمسؤوليات بدقة، واعتماد ممارسات إدارة دورة حياة الأصول بما يتوافق مع المعايير الدولية والممارسات الرائدة. كما ينبغي أن تكون تلك الإرشادات مصحوبة بمسار ممنهج لاعتمادها وتطبيقها يستند إلى خرائط طريق تنفيذية، ونماذج النضج، وخطط تحسين مستمر مصممة بما يلائم الطبيعة التشغيلية لكل جهة.
وتواصل الحكومة تدعيم علاقاتها مع القطاع الخاص عبر تحسين إجراءات ونماذج الاشتراء والتعاقد، وإبرام عقود صيانة ممتدة، وشراكات بين القطاعين العام والخاص بهدف تنفيذ الأصول وصيانتها بفعالية أكبر.
وتعمل جهات الرقابة، ومنها الديوان العام للمحاسبة، على توسيع نطاق عملها ليشمل مراجعة الأداء وتقييم المردود المالي إلى جانب مهام مراقبة الامتثال، بما يعزز مبدأ المساءلة ويرسّخ ثقافة التحسين المستمر.
ولا شك أن هذه الأطر الوطنية لعبت دوراً محورياً في توجيه جهود التحول نحو المحاسبة على أساس الاستحقاق، ولكن تبرز اليوم فرصة هائلة للارتقاء بمستوى نضج أنظمة إدارة الأصول عبر اعتماد معايير دولية راسخة وممارسات عالمية أثبتت نجاحها، إذ توفر معايير، من مثل سلسلة معايير المنظمة الدولية للتوحيد القياسي لإدارة الأصول (ISO 55000) ، خارطة طريق واضحة لدمج تخطيط دورة الحياة، وإدارة المخاطر، وقياس الأداء ضمن الممارسات التشغيلية اليومية. وتُظهر تجارب دول، مثل أستراليا والمملكة المتحدة، إمكانية تحقيق نتائج ملموسة في ضبط التكاليف، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز المرونة المالية عند التعامل مع إدارة الأصول باعتبارها وحدة استراتيجية. وفي إطار التنوّع والتوسّع السريع لقاعدة الأصول العامة في المملكة العربية السعودية، تبرز فرصة مميّزة للاستفادة من هذه التجارب الناجحة وتكييفها بما يتناسب مع مسيرة التحول المالي وتحسين الخدمات التي تقودها رؤية 2030. وسيتم توضيح ذلك بمزيد من التفصيل في القسم الثالث من هذه الدراسة.
النهج المستقبلي
يستلزم تحقيق الفائدة المرجوّة أن تعمل المؤسسات والجهات الحكومية السعودية على تمكين وحداتها المعنية بإدارة الأصول من أداء دور أكبر لا يقتصر على مراقبة الامتثال بحيث تضطلع بدور أساسي في منظومة الإدارة المالية العامة. ويستلزم ذلك بناء القدرات، وتحديد الأدوار بوضوح، وتعزيز المواءمة الاستراتيجية بين الإدارات المالية والتشغيلية. كما يجب الاستفادة من بيانات الأصول في صياغة الخطط المالية طويلة الأجل، وترتيب أولويات الاستثمار، وإعداد الميزانيات القائمة على الأداء.
ويجب أن تركز المرحلة المقبلة من الإصلاح على الجوانب التالية:
ومع توفير الدعم المؤسسي الملائم، قد تصبح وحدات إدارة الأصول بمثابة حلقة الوصل بين العمليات الفنية واتخاذ القرارات المالية، ما يسهم في تعزيز الاستثمارات المبنية على الأدلة، والارتقاء بمستوى جودة تقديم الخدمات، وتقوية الوضع المالي للمملكة على المدى الطويل.
وتستعرض هذه الدراسة خارطة طريق طموحة لبناء القدرات المطلوبة، والمواءمة مع المبادرات الوطنية للإدارة المالية العامة، وتطوير الإرشادات الحالية بما يكفل استدامة إدارة الأصول على المدى الطويل، وتسريع التطوّر المؤسسي عبر الاعتماد المنظم للمعايير والممارسات الدولية.
Neels Nel
Mohamed Salah
Raad Nassar
Mo Barghash